فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 194

وصلت المرحلة الأوروبية في السياسة العالمية إلى النهاية الأخيرة لها في أثن ـاء الح ـرب العالمية الثانية، التي كانت أول حرب عالمية حقيقة. وإذ خيضت هذه الحرب في ثلاث ق ـارات في وقت واحد، مع حدوث صراعات شديدة والوطأة في المحيطين الأطلسي والهادي، فقد ثب ـت بعدها العالمي على نحو ملموس عندما اصطدم الجنود البريطانيون واليابانيون، ال ـذين احتل ـوا، على التوالي جزيرة أوروبي ة غربية بعيدة وجزيرة شرق آسيوية بعيدة مماثلة أيضا على م ـسافة آلاف الأميال عن وطنيهما، وذلك على الحدود الهندية البورمية. وهكذا أصبحت أوروبا وآس ـيا ميدان قتال واحد.

ولو تحقق النصر في الحرب لصالح ألمانيا النازية لكان محتم ًلا أن تب ـرر دول ـة واح ـدة بوصفها القوة المتفوقة عالميًا. (وكان انتصار اليابان في المح ـيط اله ـادي س ـيحقق له ـا دورًا مسيطرًا في الشرق الأقصى، ولكن كانت اليابان ستظل، في كل الاحتمالات، دولة مه ينية إقليمية فقط. وعوضا عن ذلك فإن هزيمة ألمانيا تقررت نهائيا بواسطة ال ـدولتين المنت ـصرتين غي ـر الأوروبيتين تقريبًا. أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفي يتي، اللتين أصبحتا وريثتين للمحاول ـة الأوروبية غير المنجزة التي هدفت إلى تحقيق سيطرة عالمية.

ثم خضعت السنوات الخمسون التالية إلى الصراع الثنائي القطب الأميركي ـ ال ـسوفي يتي الهادف إلى تحقيق السيطرة العالمية. وفي بعض النواحي، نجد أن هذا ال ـصراع ب ـين الاتح ـاد السوفييتي والولايات المتحدة مثل تحقيق نظريات الجيوبوليتيين الأكثر تشددا، وبتعبير أخر فإن ـه وضع أقوى قوة بحرية في العالم، تسيطر على المحيطين الأطلسي والهادي، مقابل قوة برية في العالم تتوضع في مركز البر الأوراسي (مع وجود الكتلة الصينية ـ السوفييتية المحيطة بمنطقة من اليابسة تذكر على نحو ملحوظ بحجم أو اتساع الأمبراطورية المنغولية) . ولم يكن ممكنا أن يصبح البعد الجيوبوليتي أكثر وضوحا من ذلك: أي أميركا الشمالية مقابل أوراسيا، م ـع ك ـون العالم في موضع رهان. فالرابح سوف يسيطر على العالم ولم يكن ثمة طرف آخر قادرا عل ـى الوقوف في الطريق بمجرد أن يتحقق النصر لأحد هذين الطرفين.

كان كل طرف مزاحم قد نشر في العالم كله دعوة أيديوليوجية اقترن ـت بتف ـاؤل ت ـاريخيوبررت لكل منهما الجهود الضرورية اللازمة بينما كانت تعزز قناع ـة ك ـل ط ـرف بالن ـصرالحتمي. ومن الو اضح أن كل طرف مزاحم كان مسيطرا ضمن مجاله الخاص به، وذلك خلافًاللمرشحين الأوربيين الإمبرياليين للهيمنة العالمية، حين لم ينجح أحد منهم قط في تأكي ـد تفوق ـهالحاسم حتى ضمن أوربا ذاتها. واستخدام كل طرف ايديولوجيته لتعزيز سيطرته عل ـى أتباع ـهومؤيديه بطريقة تذكرنا إلى حد ما بعصر الحروب الدينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت