فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 194

الحرب السوفييتية وقد شعرت باريس أن أسلحتها النووية الخاصة بها ستعطي فرنسا دورًا ف ـي إجراءات (عمليات) اتخاذ القرارات الأكثر خطرًا والأعلى مستوى عن الحرب الباردة.

وفي التفكير الفرنسي، فإن امتلاك الأسلحة النووية عزز مطلب فرنسا ب ـأن ت ـصبح ق ـوة عالمية، وأن تملك صوتًا يجب أن يحترم في كل أنحاء العالم. وهو أي هذا الامتلاك عزز عل ـى نحو ملموس وضع فرنسا بوصفها إحدى الدول أو الأعضاء الخمسة الذين يملكون حق اس ـتخدام الفيتو في مجلس الأمن الدولي علمًا أن هذه الدول الخمس كل ها هي دول نووية. ومن المنظ ـور الفرنسي، فقد كان الرادع النووي البريطاني مجرد امتداد للرادع الأميركي، خاصة ف ـي ض ـوء الالتزام البريطاني بعلاقة خاصة مع أميركا، وبامتناع بريطانيا عن المشاركة في الجهد اله ـادف إلى بناء أوروبا مستقلة (علمًا أن استفادة البرنامج النووي الفرنسي إلى حد كبير من الم ـساعدة الأميركية السرية لم تكن في رأي الفرنسيين ذات أهمية في الحسابا ت الاس ـتراتيجية لفرن ـسا) . وأخيرًا فإن الرادع النووي عزز أيضًا، في الفكر الفرنسي الوضع المسيطر أو القيادي لفرن ـسا بوصفها دولة قارية بارزة، أو الدولة الاوروبية الفعلية الوحيدة التي ملكت هذه الميزة.

جرى التعبير أيضًا عن الطموحات العالمية لفرنسا عبر جهودها الحاس ـمة الهادف ـة إل ـى المحافظة على دور أمني خاص في معظم الدول الإفريقية الن اطقة باللغة الفرنسية. وبالرغم م ـن الخسارة، وبعد قتال طويل الأمد في فيتنام والجزائر والتخلي عن إمبراطورية أوسع مساحة، فإن هذه المهمة الأمنية والسيطرة الفرنسية المستمرة حتى الآن على جزر متفرقة في المحيط الهادي (وهي التي أمنت لها أماكن للاختبارات لذرية الفرنسية المثيرة للجدل) عززت ـا اقتن ـاع النخب ـةالفرنسية بأن فرنسا لا تزال فع ًلا تملك دورًا عالميًا يجب أن تلعبه، وبالرغم من حقيقة كونه ـا لاتشكل بصورة رئيسية سوى قوة أوروبية ذات مرتبة متوسطة في العصر ما بعد الإمبريالي.

لقد عمل كل ما ذكر أعلاه على المحافظة على طلب فرنسا وعلى حفزه ـا أيضًا عل ـى الإصرار على هذا الطلب المتمثل في ضرورة إسهامها في القيادة الأوروبية. فمع كون بريطانيا في حالة تهميش ذاتي، ومجرد ملحق أو امتداد للقوة الأميركية وكون ألمانيا مقسمة خلال معظم فترة الحرب الباردة، ومحرومة أو معاقبة بسبب تاريخها في القرن العشرين، استطاعت فرن ـسا أن تتمسك بفكرة أو مفهوم أوروبا، وتعتبر نفسها شيئا واحدًا معها وتغتصبها أو تدعي هيمنته ـا عليها بوصف هذه الأخيرة متطابقة أو منسجمة مع مفهوم فرنسا عن نفسها.

إن البلاد التي كانت أول من ابتكر فكرة الدولة الأمة ذات السيادة وحولت القومية الى ديانة مدنية وجدت أنه من الطبيعي جدًا ان ترى نفسها، وبنفس الالتزام العاطفي الذي كان وظف ف ـي يوم ما في ما يعرف ب ـ"الوطن"على أنها تجسيد لأوروبا مستقلة ولكنها متحدة، وهك ـذا ف ـإن عظمة أوروبا المقادة من قبل فرنسا ستكون عندئذ عظمة فرنسا أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت