فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 259

لقد اعتقد البعض أن تميّزَ"عربيّة القرآن" (بحدودها المطلقة) عن"عربيّة العرب" (بحدّها النسبيّ) إنما يكمن، فقط، في الروح التركيبية (الكيفية) التي ميزت النص القرآني على الدوام، والتي: (لم تُعرف قط في كلامٍ عربيٍّ غير القرآن، وبها انفرد نظمُه، وخرج مما يُطيقه الناس، ولولاها لم يكن بحيث هو، كأنما وُضع جملةً واحدةً ليس بين أجزائِها تفاوتٌ أو تباين، إذ تراه ينظرُ في التركيبِ إلى نظمِ الكلمةِ وتأليفها، ثم إلى تأليف هذا النظم ... وخرج معنى تلك الروح صفةً واحدةً هي صفة إعجازه في جملة التركيب) [1] ..

ونتيجةً لتشابه [2] أوليات التركيب (الحروف والكلمات) بين وجهي العربية (الرباني والبشري) ؛ فقد نشأ عن ذلك اعتقادٌ، نحسبه خاطئًا، مفاده أن اللغتين في كلتا الحالتين هي واحدة؛ وبأن الفارق الوحيد بين الوجهين إنما يكمن في الناحية التركيبية فحسب، وموطن الخطأ في ذلك هو اعتقادهم بأن: (اللغة التي نزل بها القرآنُ معجزًا قادرةٌ، بطبيعتها، أن تحتمل هذا القدر الهائل من المفارقة بين كلامين: كلامٌ هو الغايةُ في البيان فيما تطيقه القوى البشرية، وهو كلام العرب، وكلامٌ يقطع هذه القوى البشرية ببيانٍ ظاهر المباينة له من كلّ الوجوه، ويعجزها عن معارضته، وهو كلام الله ... ) [3] ...

ووفق ذلك الاعتقاد، الذي لا نؤيده، فقد تم القفز عن حقيقة التشكيل المعجز للغة القرآن بذاتها، وتميزها عن الوجه الآخر للعربيّة (ببعدها البشري) سواءً من حيث الكم أو الكيف ..

وتكشف هذه المفارقة (الاعتقاد بتطابق العربيّتين) جانبًا من الجوانب التي لم يتم التعامل معها بالقدر الكافي من الاهتمام، حيث لم يتم التمييز بين النصّين، القرآني والبشري، إلا من حيث اختلاف النواحي التركيبية والكيفية بينهما؛ دون

(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مرجع سابق، ط 3، ص 325.

(2) حيث الحروف هي نفس الحروف، والكلمات والأساليب تكاد تكون هي نفسها.

(3) البيان في إعجاز القرآن، مرجع سابق، ص 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت