واضحٌ جليّ، تلك الحالة التي إذا ما تلبست قومًا حوّلتهم إلى حالةٍ من القلق تُفقدهم توازنهم، فنراهم يتلجلجون في الوصف على غيرِ هدىً: {قد سمعنا ... } ... {لو نشاء لقلنا مثل هذا ... } ... الخ ..
لكنهم ما إن يبدءوا باستعادة توازنهم، والسيطرة على انفعالاتهم؛ حتى نجدَهم يبدءون مرحلةً جديدةً من مراحل الكَذِبِ؛ لكنه كذب صُراح هذه المرة؛ كذبٌ مع سبق الإصرار؛ وبغير ما خجلٍ أو حياء! .. وهي المرحلة التي انتهى إليها بعض من تنكر للرسالة المحمدية في مراحلها الأولى؛ حيث لجأوا إلى الادعاء ببشرية المصدر الذي أُخذ عنه القرآن الكريم، والادعاء بعدم اختلافه عن أقوال البشر في شيء؟!:
{فقال إن هذا إلا سحرٌ يؤثر، إن هذا إلا قول البشر} (المدثر:24 - 25) ..
من هنا أمكننا أن ندرك عُمق ما أحدثه القرآن الكريم من تأثيٍر غير مسبوق في النفس المتلقية لآياته، تلك التي آمنت، أو هاتيك التي كَفَرَتْ به على حدٍ سواء، لكن تظلُ أشدّ صورِ ذلك التأثير وضوحًا تلك الحيرة الكاملة؛ وذلك الجهل المطبق بماهية السرّ الذي مكّنّ للقرآن أن يُحدث كلّ ذلك الأثر، ولعل ذلك السرّ هو ما ترك الجميع يتساءلون وهم حائرون: أين يكمن السر؟! ..
فأين يكمنُ سرّ تلك الزلزلة التي أحدثها القرآن الكريم في كياناتٍ لغويةٍ رفيعة؛ ذاتِ حسٍّ جماليٍّ مُرهف؟! ..
فهل كان السرّ كامنًا في الموضوعات ذاتها؛ والتي تناولها القرآن الكريم في أول عهده؟! .. أم كان السرّ في صُلب التشريعات التي أرساها؟ ..
أو لعله كان موجودًا في تلك النبوءات المستقبلية التي تنبأ بها قبل حدوثها