من نتائج الإدراك البيولوجي للوجود
(الإدراك الأحادي)
لقد كان من نتائج سيادة مفهوم"الزمن الذاتي""البيولوجي"في حياة الإنسان العربي قبل الإسلام؛ أن انعدم الوعي الجماعي لديهم؛ إلاّ في حدوده الضيقة؛ التي لم تكن تتجاوز القبيلة كمفهوم دال على الجماعة، ولا يوجد في الآثار المخطوطة لمرحلة ما قبل الإسلام (والتي تعود إلى سكان شبه الجزيرة العربية بما في ذلك الصابئة الحميريين) مصطلح يدل على كامل مساحة شبه الجزيرة، فقد كانت"شبه الجزيرة العربية"بالنسبة لكل قبيلة عبارة عن الأرض التي تقطنها! أو التي تمارس خلالها وفي إطارها عملية الترحال، وقد وقر في أذهانهم أن وراء حدود قبيلتهم تقع أراضٍ لقبائل غريبة، معادية عادة ..
كذلك فقد أعاقت المسافات الشاسعة لشبه الجزيرة العربية تشكل الوعي بوحدة وتكامل أرض الجزيرة العربية، وقد شكل ذلك الإدراك المنقوص للجغرافيا سببًا مباشرًا دفع باتجاه عدم التفاعل مع تلك الجغرافيا، صاحبه تأخر مقابل في أساليب الاستثمار المثلى لخيراتها، وهو ما انعكس في صورة عجز عن إقامة الحضارة؛ اللهم في حدودها الدنيا المتمثلة في رقيّ كبير في مجال الشعر! ..
وإذا ما أردنا استجلاء حقيقة نظرة الإنسان العربي قبل البعثة إلى ما حوله من مظاهر الطبيعة، وتبيُن"المنظور الزمني الضيق"الذي نظر إلى تلك الظواهر من خلاله؛ فلن نجد أفضل من الشعر (ديوان العرب) وسيلة لجلاء تلك الحقيقة، حيث تمثلت شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام رابطة"ثقافية"واحدة، وتمَثَلَ التعبيرُ الأكثرُ أهمية عن هذه الثقافة في تكوّن اللغة الأدبية العامة؛ وتطور الشعر المكتوب، والذي اعتُبِر من قبل الجميع، آنذاك، حِرزًا عامًا للتعبير عن الذات.
وعلى الرغم من الخصوصية القبلية لكل شاعر من شعراء شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام؛ إلا أنهم كانوا جميعًا ينظمون شعرًا يحمل سماتٍ عامة لشبه الجزيرة العربية، بحيث يكون مفهومًا لكل قبائلها؛ ويحمل السمات العامة