أثر القرآن الكريم
في تشكيل الوعي الزمني عند العرب [1]
عندما بُعث محمد (صلى الله عليه وسلم) كان الذي يحكم العربَ يومها نظرةُ عميقة إلى داخل ذواتهم، وذلك من خلال ذواتٍ متفتحةٍ وأحاسيس مرهفة. أعانهم على ذلك ما جادت به قرائحُهم من ديوان الشعر؛ الذي سجلوا من خلاله أدقّ تفاصيل حياتهم؛ سواء على المستوى الذاتي (الفردي) أو على المستوى الجماعي المتمثل بالقبيلة ..
وشاء الله عز وجل أن يتفضل على هذه الأمة بنعمة الإسلام والقرآن، حيث أحدث الأخير في نفوس العرب وقلوبهم مسارب عميقة. ولم يقتصر فعله على ما أحدثه من تأثيراتٍ ظاهرةٍ؛ تمثلت في منظومة الأخلاق والعبادات والمعاملات، لكن اتضح بعد أعوام قليلة أنه قد مسّ عقولهم وأفئدتهم وطرق تفكيرهم فأعاد تشكيلها وصياغتها من جديد! ..
لقد كان للقرآن الكريم تأثيرًا عجيبًا، إذ فتح عيون العرب وقلوبهم على ما حولهم من مظاهر كونية خلاّقة بعد أن كانت تتجه دائما إلى ذواتهم، فإذا الأرض من حولهم غير الأرض؛ والسماوات، وإذا كلُ الأشياء من حولهم ليست ما عهدوه، فلم تعد الأرض مرابع للقبيلة بقدر ما أصبحت مرتعًا خصبًا للتفكر ولإمعان النظر، يحدوهم في رحلتهم تلك قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} ولتُتخذَ (الآيات) بعد ذلك مُرتكزًا لدراسة التاريخ وآثار الغابرين .. كذلك لم تعد السماء ما كانت عليه، إذ لم تعد مجرد موطنٍ
(1) هذه الدراسة مدينة بالعديد من أفكارها لكتاب"دراسات في تاريخ الثقافة العربيّة"خالدوف وآخرون، وقد وجب التنويه اعترافا بالحق لأهله.