فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 259

مغزى؛ لا على عجز الإنسان فحسب، بل على عجز اللغة أيضًا: (وعجْزُ العربِ عن معارضةِ القرآن مع توفر الدواعي؛ عجزٌ للغةِ العربيّةِ في ريعانِ شبابها، وعنفوان قوتها) !! [1] ..

من هنا يجب الحذر من اعتقادٍ خاطئٍ مفاده أن القرآن الكريم كان إعجازًا وتعجيزًا للعرب وحدهم، فحقيقة الأمرِ أنه كان إعجازا وتعجيزا لهم وللغتهم في الوقت ذاته، والتي إن قدّر لها، في ذلك الوقت، أن تبلغَ حدّ الكمال في الاستجابة لأغراض التعبير البشري؛ إلا أنها كانت، بلا شك، قاصرةً عن الاستجابة لتحدي الإتيان بنصٍ يماثلُ نص القرآن الكريم أو يشابهه!!.

وصحيحٌ قولنا: إن لغة القرآن الكريم كانت عربيّة، لكن الأكثر صحةً أنَّ لغة القرآن الكريم كانت (في تفاصيلها الدقيقة) بعيدةً كلّ البعد عن عربيّة العرب في ذلك الوقت، وكثيرًا ما غابت هذه الحقيقة عن أذهاننا نتيجةً لعدم تفريقنا بين وجهين من وجوه العربيّة هما: العربيّة البشرية (ببعدها النسبي) ، والآخر الرباني (بأبعاده المطلقة) . والأخير يعني وجود كيان متميز للعربيّة يختلفُ تمام الاختلاف عن العربيّة بوجهها البشري المعروف.

والعربيّة بمعناها المطلق تعني وجهًا آخر هو أشدّ مقدرةً وأكثر تكاملًا وجمالًا [2] ... ؟!.

(1) مباحث في علوم القرآن، مرجع سابق، ص 292.

(2) لعلنا في اعتبارنا لوجود عربية بأبعادٍ مطلقةٍ تتجاوز العربية البشرية نكون قد ذهبنا نفس المذهب الذي ذهب إليه أبو القاسم حاج حمد في"العالمية الإسلامية الثانية"حين طبق نفس المعايير على التاريخ الإنساني فقال: (مفهوم الحركة في التاريخ البشري لا تستوي خصائصه المرحلية في القرآن على التعاقبات الطبقية المتولدة عن بعضها عبر منهجية الصراع كما هو الحال في تجربة الحضارة الأوروبية. بل تستوي كأشكال دائرية بدءا من الشكل"الفردي"إلى الشكل"القومي"إلى الشكل"العالمي". أي أن التطور البشري يمر عبر هذه المراحل الثلاث. المرحلة الأولى هي المرحلة الآدمية، والمرحلة الثانية هي المرحلة الإسرائيلية، والمرحلة الثالثة هي المرحلة العربية خارج معنى اللفظ القومي(أي خارج ما يعنيه المعنى الاصطلاحي للعروبة) . (العالمية الإسلامية الثانية، لأبي القاسم حاج حمد، دار المسيرة، ص 105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت