فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 259

تحدثنا فيما سبق عما مثله الشعر من قيمة في حياة العرب بحيث غدا ديوانا لهم، ذلك أنه قام بدور التدوين للأحداث الهامة في حياتهم، وهي المهمة التي يفترض بالكتابة أن تؤديها وأن تقوم بها، إلا أن الشعر ظل عاجزًا عن القيام بمهمة التدوين تلك؛ لكونه أداة تدوين للانفعالات والأحاسيس وليس من طبيعته التدوين لما هو موضوعي، فهو لا يصلح، على سبيل المثال، لتدوين العلوم أو التأريخ للأحداث بصورة موضوعية!.

وقد ظلت قبائل شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام مكتفية بالشعر؛ بحيث بقيت عمليًا دونما كتابة، رغم أنها عاشت قرونًا متجاورة مع شعوب ذات حضارات قديمة ذات كتابات متطورة!. وفيما يتعلق بأثر الإسلام على حركة التدوين فقد كان له أثر حاسم في ذلك التوجه الموضوعي نحو التدوين؛ ولدى نظرنا اليوم إلى تلك الانعطافة الهامة في تاريخ العرب سيتشكل لدينا انطباع وكما لو أن العرب قد دخلوا إلى مرحلة الكتابة بدون مقدمات!! حيث صاروا، وخلال وقت قصير جدًا، متقنين لكتابة متطورة واسعة، بل إن فضيلة"إتقان الكتابة"قد تحولت من"التجربة المجدية"إلى"فضيلة دينية"يشهد على ذلك إطلاق سراح الأسرى مقابل تعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة.

ولعل المؤثر الأهم في نشأة حركة التدوين والاتجاه نحو الكتابة ما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من تدوينٍ للقرآن الكريم؛ وقد نشأ عن ذلك التوجه حركة أرشفة واسعة؛ ساهمت في حفظ التراث العربي قبل الإسلام (الشعر على وجه الخصوص) لكن مما يؤسف له أن تلك الحركة لم تستطع أن تنقذ إلا التراث المتأخر القريب من بعثة الإسلام، فقد كتب"هشام الكلبي" [1] في هذا الصدد قائلًا:"لم يحفظ العرب من أشعارها إلا ما كان قبيل الإسلام"..

(1) وهو أحد البحاثة العظام لمرحلة ما قبل الإسلام على تخوم القرنين الثامن والتاسع الميلاديين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت