فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 259

فإن كنّا نحن اليوم نتكلم باللغة التي تنزّل بها القرآن الكريم؛ فهل كان العرب قبل البعثة المحمدية يتكلمون نفس اللغة؟!.

قبل مجيء الإسلام كان العربُ قبائلَ متفرقةً، وكانوا يتكلمون لغةً يطلقون عليها"العربيّة"لكنّ القبائلَ العربيّةَ المختلفةَ كانت تمتلك ألسنةً تختلفُ فيما بينها، والاختلاف بين لسان قبيلة وأخرى كان يمكن أن يضيق أو يتسع، فيتشابه لسانٌ مع آخر، حتى تكاد تكون الفوارق بينهما لا تذكر، وقد يتسعُ الاختلافُ بين اللسانين حتى ليُظَنَّ أن واحدًا منهما لا يمُتُ للعربيّة بصلة! ...

لكنّ ذلك التباين بين ألسنة القبائل العربية ولهجاتها لم يمنع من أن يكون لها (للقبائل) من يتصدرُ صفوفها، فكانت قريشُ هي قلبُ العرب في شبه الجزيرة العربيّة، وكان للسانها (أي لهجتها) الصدارة بين ألسنة العرب جميعًا، فكأنها القاسم المشترك بين تلك الألسنة جميعها.

ولقد هيأت عدةُ عوامل دينية وتاريخية لقريش وللسانها أن يكونا على مثل تلك الأهمية، وكان من أهم تلك العوامل: جوارُ البيت، وسقايةُ الحاج، وعمارةُ المسجد الحرام، والإشرافُ على التجارة .. لأجل ذلك؛ فقد أُنْزِلت لهجةُ قريشٍ بمنزلةِ الأبِ للغات العرب جميعًا .. ولم يكن ذلك الإنزال ليتمّ بغير ما سندٍ من خصائص امتازت بها لغةُ قريشٍ ذاتُها، فقد كانت قريش أفصح العرب ألسنةً، وأخلصهم لغةً، وأعذبهم بيانًا، وقد ارتفعت (قريش) عن لهجاتٍ رديئةٍ اعترضت في مناطق العرب؛ فسَلِمَتْ بذلك لغتُهم؛ بل أصبحت قاسمًا مشتركًا يجمع شتاتَ العرب في ذلك الوقت ..

وقد كان للعامل الديني أبلغَ الأثرِ في جعلِ لغةِ قريشٍ لغةً مشتركةً لكل القبائل العربيّة؛ لكنه لم يكن عاملًا وحيدًا في تشكيل تلك الأهمية، فالعامل الاقتصادي، كذلك، كان له دورٌ هام: إذ (كان القرشيون يتمتعون بسلطانٍ اقتصاديٍ كبير؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت