لأنهم كانوا من أمهرِ العناصر العربيّة وأنشطِها، وفي يدهم جزءٌ كبيرٌ من تجارة الجزيرة العربيّة، وقد أتاح لهم هذا النشاطُ التجاريُّ ثراءً كبيرًا؛ بحيث تسنى لهم احتضان الدين .. الأمر الذي أعطاهم سلطانًا سياسيًا قويًا. لهذا كله فقد كانت اللغةُ القرشيةُ أقوى اللغاتِ أثرًا في تكوّن اللغة العربيّة المشتركة) [1] .
ويتحدث علماء اللغة [2] عن"عوامل قيام اللغات المشتركة"، ويُرجعون ذلك إلى: التفوق السياسي؛ والديني؛ والاقتصادي؛ والأدبي؛ والاجتماعي .. ويضربون لذلك مثلًا باللغة العربيّة، فقد انقسمت اللغة العربيّة منذ أقدم عصورها إلى لهجاتٍ كثيرةٍ، تختلفُ فيما بينها في كثيرٍ من الظواهر الصوتية والدلالية، كما اختلفت في مفرداتها وقواعدها؛ تبعًا للقبائل المختلفة التي تَتَحِدُ ظروفُها الطبيعيةُ والاجتماعيةُ؛ أو حسب تباين تلك الظروف، وهم يعتقدون، أي علماء اللغة، بأن بروز لغةٍ مشتركةٍ (كلغةِ قريش) بين تلك القبائل؛ إنما جاء نتيجةً لفرص الاحتكاك الكثيرة، من تجاورِ تلك القبائل، وتجارةٍ فيما بينها، وتَنَقُلِها في طلب الكلأ والمرعى، أو تجمعها في مواسم الحج، والمعاملات التجارية في الأسواق، واللقاء في الحروب الأهلية والغزوات وأيام العرب، وما إلى ذلك .. وعندما اشتبكت تلك اللهجات في صراعٍ لغويٍ؛ كان النصر فيه للغةٍ مشتركةٍ استمدت أبرزَ خصائِصِها من لهجةِ قريش؛ تلك اللهجة التي تفوقت على سائر اللهجات الأخرى، فأصبحت لغةَ الأدب؛ بشِعْرِه ونثره، ولغةَ الدين، ولغةَ السياسة والاقتصاد.
ومن الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن لسانَ قريش إنما كان الأقرب (من بين ألسنةِ العرب جميعًا) إلى مفهومنا الحاضر حول"العربيّة الفصحى"بحيث باتت لغة قريش تعتبر (على وجه الإجمال) رديفًا للغة العربيّة، ولعل تلك الأصالة
(1) المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، د. رمضان عبد التواب، الطبعة الثانية،1985، ص 168 بتصرف.
(2) المدخل إلى علم اللغة، مرجع سابق، ص 167.