فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 259

نوضح ذلك بطريقة محسوسة؛ نقتبس المثال التالي: لنفترض أن رحالة فلكيًا غادر الأرض بسرعة تساوي (1/ 20.000) من سرعة الضوء، وقضى ذلك الرحالة عامين متنقلًا في سياحة فضائية، المفاجأة ستقع إذا ما عاد ذلك الرحالة إلى الأرض، لأنه سيجد ساعتها أن العامين اللذين قضاهما في مركبته يقابلهما قرنان كاملان مرا على سكان الأرض تبدلت فيهما كل معالمها!! .. إن هذه الرحلة الخيالية، بالذات، ستكون منطلقنا للدخول إلى عالم"ما وراء الموضوعي"كما عرضه القرآن الكريم ..

يصور لنا القرآن الكريم حقيقة الوجود كوجهي العملة الواحدة، والوجه الأول للوجود هو:"عالم الشهود"أما الآخر فهو وجودٌ في"عالم الغيب"..

والوجه الأول من الحقيقة يمثله وجودنا في عالمنا الأرضي؛ بكل ما فيه من موجودات؛ سواء أوصلت إليها مداركنا أم لم تصل، كذلك يشمل هذا النوع من الوجود كل الموجودات الكونية التي لن يقدر للإنسان أن يصل إليها أبدا؛ بسبب قصور إمكانياتنا عن إدراكها؛ ذلك أنها تظل منتمية إلى نفس العالم الذي ننتمي إليه في رحلة الحياة الدنيا، وتخضع لنفس القوانين ...

أما الوجه الآخر لحقيقة الوجود فهو وجود في"عالم الغيب"، وهو وجود غير مُدرك بالنسبة لنا؛ بسبب قصورنا عن إدراك حقيقته، ولعدم امتلاكنا، أصلا، القدرة على التعامل معه. وما بين حياة الإنسان على الأرض وانتهائها بالموت؛ فإن عالمًا مجهولًا كان قبل ذلك، وعالما آخر سيعقبه. فالحياة الدنيا في التصور الإسلامي ليست البداية؛ إذ كان للإنسان، قبل ذلك، وجود في عالم الغيب {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم} .. والحياة الدنيا لن تكون نهايتها العدم؛ ذلك أن وجودًا جديدًا سيكون في عالم لا ندري عنه شيئا.

من هنا فإن القرآن الكريم (وفي سعيه لتزويد الإنسان بتصورات متكاملة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت