وجدناه يدمج"الغيب"بحركة"الواقع"فشكّل لنا دائرة متكاملة؛ ترسم للإنسان نقطتي"البدء"و"المنتهى"في رحلته نحو وجه الله الكريم: {إن إلى ربك الرجعى} (العلق:8) {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} (الانشقاق:6) ..
ويصور القرآن الكريم الحضور الكامل للغيب في عالم الشهادة؛ فالإنسان (كما يعرضه القرآن) لم يترك سدى تتناوشه الوساوس والهموم، فقد كان الله قريبا منه دائما، تتنزل عليه رحماته، وتتنزل عليه ملائكته .. وهنا نبدأ بالتعرف على بعض ملامح الزمن"ما وراء الموضوعي"كما عرضه القرآن الكريم .. فقد أورد القرآن الكريم آيات كريمة لا يمكن ادعاء فهمها إلا على ضوء حقيقة ما علمناه، أخيرا، من أن الكون بالفعل هو مفكك من الناحية الزمنية، وبأن لكل ظاهرةٍ (ولكل عالمٍ) زمنه الخاص؛ غير الملزم للعوالم الأخرى؛ بحيث تتداخل تلك العوالم دون أن تتعارض! ولا يعني توجهنا نحو هذه الآيات، من خلال هذا المنظور، أننا نحاول تقديم تفسير لها، وكل ما نطمح إليه هنا إنما هو محاولة الاقتراب منها ومحاولة تفهمها.
لقد تحدث القرآن الكريم عن عوالم مختلفة تتم فيها الأمور بسرعات مختلفة كذلك! إذ يقول عز من قائل في هذا الشأن: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} (السجدة:5)
ومع أن بعض التأويلات تذهب إلى أن الألف سنة إنما المقصود بها هو يوم القيامة؛ إلا أنه لا شيء يقطع بأن هذا هو التفسير الوحيد! وهو ما يسري كذلك على قوله عز وجل في آية أخرى: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج:47) .. والآية الأشدّ وضوحًا فيما يختص بنسبية الزمن هي تلك التي تتحدث عن"معراج الملائكة"إلى السماء، وذلك في قوله تعالى {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} (المعارج:4)