عن الحالات الطبيعية الفيزيائية المختلفة لنفس المادة، فالماء مثلًا في حالته السائلة يدعى"ماء"لكنه إذا تحول للحالة الصلبة صار ثلجًا، ولا نقول"ماءً مجمدًا"ثم إذا تحول إلى الحالة الغازية صار"بخارًا"لذا فإنه من قبيل الدقة اللغوية أن يفرق القرآن الكريم بين حالتي الصلابة والسيولة للنحاس، وأن يُعبر عن كل حالةٍ بما يناسبها من ألفاظ.
وعلى الرغم من اعتقاد بعض المفسرين بأن"عين القِطْر"قد تكون عينًا تخرج نحاسًا من الأرض، حيث جاء قولهم في الآية الكريمة {وأسلنا له عين القطر} أي: (أسلنا له عين النحاس كما ألنا الحديد لداود، وقال قتادة: أسال الله له عينا يستعملها فيما يريد) [1] ..
على الرغم من ذلك الاعتقاد فإننا نميل إلى أن كلمة"عين"هنا قد لا تعني ما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى؛ من أنها عين تخرجُ نحاسًا سائلا من باطن الأرض؛ بل قد تكون إشارة دقيقة للدلالة على أن النحاس (الذي هو موضوع النقاش هنا) إنما هو نحاسٌ في حالته السائلة، وهي بهذا تتشابه مع عين الماء في سيولتها، وليس في مصدر خروجها من باطن الأرض! ..
وتتعاضد هذه الإشارة مع الإشارة السابقة التي تم التعبير فيها عن النحاس باللفظ"قِطْرا"لتعطيا نفس المعنى ونفس الدلالة؛ من أن النحاس هنا هو النحاس المنصهر وليس النحاس في حالته الصلبة.
أما المواضع التي وردت فيها الألفاظ"قِطْرا"و"عين القِطْر"والمعبرة عن النحاس في حالته السائلة، فكانت:
أ- الآية الكريمة: {حتى إذا جعله نارًا قال آتوني أُفرغ عليه قِطْرا، فما اسطاعوا أن يظهروه، وما استطاعوا له نقبًا} (الكهف:18) .
ب- وكذلك الآية الكريمة: {ولسليمان الريح، غُدُوُها شهرٌ ورواحها شهر، وأَسَلْنا له عين القِطْر} (سبأ:12 - 13)
(1) فتح القدير، محمد بن علي الشوكاني، المجلد الرابع، ص 316.