فهرس الكتاب
و إذا أمعنت النظر في الأمثلة السابقة، تجد أن المفسِّر قصد التمثيل للمعنى العام، ولم يرد حصر معنى الآية فيما فسَّر به.
إلا أنه في بعض الأحيان يكون سياق الآية يُحتَّم تعيين معنىً واحدٍ، أو ذاتٍ واحدة فيخرج عن كونه مثالا. مثل الخلاف في المنادي في قوله تعالى (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي) (مريم:24) قيل: المنادي: جبريل، وقيل: عيسى [1] ،فلا يصح أن يقال إنهما من باب التمثيل؛ لكون الآية ظاهرة في كون المنادي واحدًا.
وينبغي الإشارة هنا إلى مسائل متعلقة بالتفسير بالمثال:
المسألة الأولى: أن المفسر حين يفسر الآية بمثال، لا يشترط أن يكون قصده التمثيل وحصر المعنى فيما فسّر به [2] ،وإنما خصّ هذا المثال دون غيره لأمور منها:
أ-لكون الآية حال نزولها لم يكن معناها متحققًا في غير هذا المثال، فهو بمنزلة سبب النزول، لا يقصدُ الذي يذكره حصر معنى الآية فيه، ولكن خصه بالذكر لاختصاص النزول به.
مثال ذلك: ما ذكره ابن عطية في قوله تعالى (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ) (البقرة:273) قال:"وقال مجاهدٌ: المراد بهؤلاء الفقراء: فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، قال الفقيه أبو محمد: ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر؛ لأنه لم يكن هناك سواهم، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم" [3] .
(1) ينظر: تفسير الطبري (15/ 501 - 503) .
(2) وهذا إنما يكون في كل ما يصلح تعميم معناه، لا فيما ظاهره الخصوص أو يدل على الخصوص.
(3) المحرر الوجيز (2/ 87) .