فهرس الكتاب
لو خالفه غيره من المفسرين وحمل لفظ الآية العموم، فلا يرد تفسيره مادام المعنى محتملًا له.
لكن لو ورد مثل هذا التخصيص في سبب نزول فإنه يكون من باب التفسير بالمثال، إذ تخصيص المفسِّر في سبب النزول واقعٌ على الحادثة التي كانت سببًا في نزول الآية، لا على ما يدخُل في معنى الآية ويندرجُ تحتها.
مثال ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأنزل الله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود:114) .فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال:"لجميع أمتي كلهم" [1] .
فإذا قال أحد السلف أن الآية نزلت في كذا إنما هو تمثيلٌ بمن نزلت فيه الآية أولًا، ولا يُرادُ بذلك أنها مختصة به دون سواه.
المسألة الثانية: أن هناك فرقًا بين التفسير بالمثال و التفسير بجزء المعنى [2] .
فإذا تأملت أمثلة التفسير بالمثال والتفسير بجزء المعنى ظهر لك مايلي:
-أن التفسير بجزء المعنى ينظر المفسِّر فيه إلى معنى كلي ويذكر منه جزءًا يدل على المعنى، أما المثال فهو صورة للمعنى العام وتقريبٌ له، فليس هو المعنى العام وليس هو جزءه، وإنما هو صورة للمعنى، أي أن المعنى تحقق في مثالٍ ما ففسَّر المفسِّرُ بالمثال ليبين صورة هذا المعنى، كما فسَّر بعضهم النعيم في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر:8) بأنه الماء
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة، (1/ 196) ح (503) ،واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب (التوبة) باب قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) هود: 114, (4/ 2115) ح (2763) .
(2) والسبب في التفريق بين التفسير بجزء المعنى والتفسير بالمثال هو استعمال ابن القيم لهما في مواضع، فيذكرجزء المعنى في موضع، ويذكر المثال في آخر؛ وكأنه باستعماله هذا يرى فرقًا بينهما.