"وقد خالفهُ مُخَالفَةً وخِلافًا ... وتخالفَ الأمرانِ واختلفا: لم يتَّفِقَا، وكلُّ ما"
لم يتساوَ فقد تخالفَ واختلفَ" [1] ."
"والاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخلاف أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين" [2] .
فتبيّن مما سبق: أن كلمة الخلاف أو الاختلاف في لغة العرب يُرادُ بها مُطلقُ المغايرة والتباين بين شيئين، سواء أنشأ عن هذه المغايرة تناقضٌ وتضادٌ أم لا.
"ولفظ الاختلاف في القرآن إنما ورد بمعنى المغايرة وعدم التماثل-سواء أكان هناك تناقضٌ وتعارضٌ أم لا-إذ هو شامل للخلاف بنوعيه ولم تأتِ في القرآن لغير هذا المعنى، بخلاف كلمة (خلاف) التي تحتمل أكثر من معنى، ولا يتحدد المقصود منها إلا بالسياق [3] ."
(1) لسان العرب لابن منظور (9/ 82) .مادة (خلف) .
(2) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، ت: محمد سيد كيلاني (ص 156) .
(3) وبتأمل المواضع التي ورد فيها ذكر لفظي الخلاف والاختلاف يظهر ما يلي:
"-أن الاختلاف بين الناس في آرائهم ومعتقداتهم وأفكارهم لم يَرِد إلا بلفظ"الاختلاف"،على حين أن لفظ"الخلاف"جاء بمعنى المخالفة لأمر الله ورسوله أو بمعنى المغايرة في قطع الأعضاء، ولم يَرِد ذكر اختلاف بين الناس بلفظ الخلاف."
-أن لفظ الخلافاستُعمِلَ في خصوص المخالفة لشرع الله، أما الاختلاف فيشمل الاختلاف الجاري على وفق قواعد الشرع، والاختلاف الخارج عن قواعد الشرع.
-أن الاختلاف يجوز أن يقع بين فريقين أحدهما مُحِقٌّ، والآخر مُبْطِلُ كقوله تعالى (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا چ چ چ چ مَنْ كَفَرَ) (البقرة:253) وقوله (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (الشورى:10) ،ويجوز أن يقع بين فريقين وكلاهما مبطل كاختلاف اليهود والنصارى في المسيح، قال تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا ژ ژ مِنْ عِلْمٍ ک ک ک) (النساء:157) ،أما الخلاف فكل من وصِفَ به في القرآن فهو على باطل وضلال.
-إذا ورد لفظ الاختلاف بين المتنازعين بصيغة الماضي أو المضارع"اختلفتم-تختلفون-يختلفون"فإنه في الغالب يتبعه بيانُ أن مَردَّ المختلفين إلى الله، وأنه تعالى يفصل بينهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، أما إذا ورد الإخبار عن المخالفين بلفظ الخلاففإنه تعالى لايذكر أنه سيفصل بينهم، بل يتوعد المخالفين له ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالعذاب الشديد (( فَلْيَحْذَرِ ک ک ک ک گ گ گ گ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63) ،أو يذكرهم في معرض الذم والتوبيخ (? الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ چ) (التوبة:81) .
-أن الاختلاف ورد استعماله تارة بمعنى التعارض والتضاد بين الأقوال كقوله تعالى (? ? اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (البقرة:176) وقوله تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) (النساء:157) ،وتارة بمعنى تنوع الأشياء واختلاف الأجناس والألوان ونحو ذلك، كقوله تعالى (إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? ? يَتَّقُونَ) (يونس:6) وقوله (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) (الأنعام:141) فمنه ما هو محمود، ومنه ماهو مذموم.
قال أبو هلال العسكري"... ومن الاختلاف ما ليس بمذموم، ألا ترى قوله تعالى (وَلَهُ اخْتِلَافُ ک ک) (المؤمنون:80) فهذا الضرب من الاختلاف يكون على سَنَنٍ واحد وهو دال على علم فاعله"الفروق اللغوية (ص:176 - 177) ،أما الخلاف فلم يَرِد إلا في معرض الذم.
-أن الاختلاف بمعنى تنوع الأشياء وتفاوت الأجناس، يكون فيما يُنسبُ إلى الله تعالى، أو ما يَختَصُّ به الله عزوجل من الخلق والتدبير، ولم يكن للبشر فيه مَدخَلٌ كقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) (فاطر:27) وهذا الاختلاف من الآيات الدالة على عظيم قدرة الله، قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) (الروم:22) أما الاختلاف بمعنى التضاد فهو ما كان منسوبًا إلى البشر أو واقعًا بينهم، ومن أظهر الأدلة على هذا التفريق قوله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء:82) .
-أن القرآن لا اختلاف فيه ولا تناقض، قال (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء:82) .
-أن أكثر من وصفهم الله في القرآن بالاختلاف والتفرق أهل الكتاب، فهم أكثر الناس تفرقًا ونزاعًا،
قال تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (ال عمران:105) وقال تعالى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ ? ? ? إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي ? فِيهِ ?) (النمل:76) .
ومما تقدم يبدو جليًا أن معنى الاختلاف في القرآن أوسع دلالة من الخلاف؛ إذ هو شامل للخلاف بنوعيه ما كان منه متعارضًا وما كان غير متعارض، وهذا هو ما تقتضيه قواعد اللغة إذ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا."الاختلاف بين السلف في التفسير، للباحث: محمد صالح سليمان، ص 21 - 22،وهي رسالة ماجستير، عام 1428 هـ جامعة الأزهر."