وهم من أهل البدع عند العلماء: إما على معنى أنهم خرجوا ببدعتهم عن أهل الإسلام، وإما على أنهم من أهل الإسلام لم يخرجوا عنهم؛ على اختلاف العلماء فيهم، وجعل هذه الطائفة ممن في قلوبهم زيغ فزِيغَ بهم، وهذا الوصف موجود في أهل البدع كلهم، مع أن لفظ الآية عام فيهم وفي غيرهم ممن كان على صفتهم، ألا ترى أن صدر هذه السورة إنما نزل في نصارى نجران ومناظرتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اعتقادهم في عيسى - عليه السلام -؛ حيث تأولوا عليه أنه إله، أو أنه ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة بأوجه متشابهة، وتركوا ما هو الواضح في عبوديته، حسبما نقله أهل السير [1] .
ثم تأوَّله العلماء من السلف الصالح على قضايا دخل أصحابها تحت حكم اللفظ؛ كالخوارج؛ فهي ظاهرة في العموم ..." [2] ."
وقال في موضع آخر:"قال القاضي إسماعيل [3] في قوله تعالى (? چ چ چ چ ? ? ? ? ?) (الانعام:159) بعدما حكى أنها نزلت في الخوارج وكأن القائل بالتخصيص ـ والله أعلم ـ لم يقل به بالقصد الأول بل أتى بمثال مما تتضمنه الآية، كالمثال المذكور فإنه موافق لما كان مشتهرا في ذلك الزمان فهو أولى ما يمثل به ويبقى ما عداه مسكوتا عن ذكره عند القائل به، ولو سئل عن العموم لقال به، وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع إنما تحصل على التفسير بحسب الحاجة، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما نزلت في قصة نصارى نجران؟ ثم نزلت على الخوارج حسبما تقدم إلى غير ذلك مما يذكر في التفسير، ـ إنما يحملون على ما يشمله"
(1) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/ 83 - 84) .
(2) الاعتصام (1/ 56) .
(3) هو الإمام أبو اسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي البصري ثم البغدادي القاضي شيخ المالكية صاحب التصانيف له كتاب أحكام القرآن، وكتاب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهما توفي سنة (282 هـ) ينظر: تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (6/ 284) ،وسير أعلام النبلاء (13/ 339) .