لأن"البيان النبوي قد يكون بعض ما اشتمل عليه عموم النص أو بعضُ ما اشتملتْ عليه دلالاته، فيكون ما جاء في البيان أحدُ المعاني التي اشتملت عليها دلالاته" [1] .
-ومثله ما جاء في تفسير قوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ(3 ) ) (الفلق:3) .
فقيل: الغاسق الليل، روي عن ابن عباس والحسن وقتادة [2] .
وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما روته عائشة، قالت: أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدي، فنظر إلى القمر، فقال:"يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا. فإن هذا هو الغاسق إذا وقب" [3] .
وهذا التفسير لا ينافي تفسير جمهور السلف في أنه الليل، قال ابن القيم:"هذا التفسير حق-يعني: تفسيره في الحديث بالقمر-،ولا يناقض التفسير الأول، بل يوافقه، ويشهد لصحته، فإن الله تعالى قال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ژ ژ وَجَعَلْنَا آيَةَ ک ک) (الإسراء:12) ،فالقمر آية الليل، وسلطانه فيه، فهو أيضًا غاسق إذا وقب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن القمر بأنه غاسقٌ إذا وقب، وهذا خبر صدق، وهو أصدق الخبر، ولم ينفِ عن الليل اسم الغاسق إذا وقب، وتخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينفي شمول الاسم لغيره" [4] .
(1) قواعد التدبر، لعبد الرحمن حنبكة (ص 133) .
(2) ينظر: تفسير الطبري (24/ 746) .
(3) رواه الترمذي في سننه كتاب (التفسير) ،باب (من سورة المعوذتين) ح (3366) ، (5/ 452) .ورواه الإمام أحمد في مسنده (6/ 215) ،ح (25844) .قال عنه الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني ينظر: السلسة الصحيحة (1/ 714) .
(4) بدائع التفسير (3/ 406) . ومن الأمثلة في ذلك أيضًا: ما جاء في تفسير ابن عباس - رضي الله عنه - للكوثر بأنه الخيرُ الذي أعطاهُ الله إياه، مع أنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهرٌ في الجنة، ولمّا قيل لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهرٌ في الجنة، قال سعيد: النهرُ الذي في الجنةِ من الخير الذي أعطاه الله إياه. (ينظر: صحيح البخاري كتاب(التفسير) باب (في تفسير إنا أعطيناك الكوثر) (4/ 1900) ،ح (4682) .