القسم الثاني: أن يكون المعنى المُفسرُ به مُصطلحًا حادثًا، ومن ثم فإنه لا يمت للغةِ العرب بصلةٍ، وتفسير النصوص بالاصطلاح الحادث من أخطر التأويل وأشنعه؛ لأنه يُبعدُ القرآن عن مدلوله العربي إلى مدلولاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، يقول ابن القيم في معرض ذكره لأنواع التأويل الباطل-:"الرابع: ما لم يُؤلفِ استعمالُهُ في ذلك المعنى في لغة المخاطب، وإن أُلِفَ في الاصطلاح الحادث، وهذا موضعٌ زلت فيه أقدامُ كثير من الناس، وضلت فيه أفهامهم، حيثُ تأولوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يُؤلف استعمالُ اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح المتأخرين، وهذا مما ينبغي التنبه له، فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل؛ كما تأولت طائفةٌ قوله تعالى (فَلَمَّا أَفَلَ) (لأنعام:76) بالحركة، وقالوا: استدل بحركته على بطلان ربوبيته. ولا يُعرفُ في اللغة التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة البتة في موضع واحد."
وكذلك تأويل"الأحد"بأنه الذي لا يتميزُ منه شيءٌ عن شيءٍ البتة. ثم قالوا: لو كان فوق العرشِ لم يكن أحدًا. فإن تأويل الأحدِ بهذا المعنى لا يعرفُهُ أحدٌ من العرب ولا أهل اللغة، ولا يُعرفُ استعمالُه في لغة القوم في هذا المعنى في موضع واحدٍ أصلًا، وإنما هو اصطلاحُ الجهمية [1] ،والفلاسفة [2] ،والمعتزلة [3] ،ومن وافقهم ..." [4] ."
(1) هم أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار، وأنكر الاستطاعات كلها، ونفى الصفات، وزعم أن الجنة= =والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، ومخازيه كثيرة. ينظر: الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي (ص:199) ،والملل والنحل لشهرستاني (1/ 86) .
(2) الفلسفة باليونانية محبة الحكمة، وأكثر الفلاسفة ينكرون علم الله تعالى، وينكرون حشر الأجساد، ومن أشهرهم أرسطاطاليس ونقل كتبه عن الفلسفة ابن سينا وغيره، وجميع الفلاسفة يعتقدون في تلك الكتب اعتقادات عظيمة. ينظر: الملل والنحل (2/ 58) ،واعتقادات فرق المسلمين والمشركين لفخر الدين الرازي (ص:91) .
(3) هم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وسبب تسميتهم: أن واصل بن عطاء لما قال في الفاسق: لا مؤمن ولا كافر، طرده الحسن البصري من مجلسه، فلحق بعمرو بن عبيد واعتزلا مجلس الحسن. من أشهر بدعهم نفي الصفات والقول بخلق القرآن، ونفي القدر، والقول بأن مرتكب الكبيرة بين المنزلتين، ومخازيهم كثيرة. ينظر: الفرق بين الفرق (ص:93،15) ،والملل والنحل (1/ 43) .
(4) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، (1/ 189 - 191) .وينظر: تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا (1/ 19 - 20) ،ففيه كلام عن هذا الموضوع.