ومن الأمثلة التي وقع فيها قصرُ اللفظِ على أحد محتملاته، وإبطالُ غيرهِ، ما وقع في تفسير العلم في قوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (البقرة:255) ،فقوله: (مِنْ عِلْمِهِ) يحتملُ معنيين:
الأول: لا يحيطون بشيءٍ من معلوماته.
الثاني: لا يحيطون بشيءٍ من علمِ ذاتهِ وصفاتهِ [1] .
وقد قصر المبتدعةُ معنى هذا اللفظ على الأول دون الثاني، إمّا إنكارًا لصفة العلم الإلهي، وإما إنكارًا لتبعُض عِلْمِ الله تعالى.
قال ابن عطية:"قوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) ،معناه: معلوماته. وهذا كقول الخضر لموسى عليهما السلام حين نقر العصفور من حرف السفينة: ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر [2] ، فهذا وما شاكلهُ راجعٌ إلى المعلومات؛ لأن علم الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا تتبعض، ومعنى الآية: لا معلوم لأحدٍ، إلا ما شاء الله أن يُعلِمَهُ" [3] .
وليس قَصرُ معنى"بعلمه"على معنىً واحدٍ ذلك بصوابٍ، بل الآيةُ تحتملُ الأمرين معًا، ولا تعارض بينهما، والأولُ يستلزمُ الثاني. قال الشيخ ابن عثيمين:"وعِلمُ في قوله: (مِنْ عِلْمِهِ) مصدرٌ يحتملُ أنه على بابه، ويحتملُ أنه بمعنى: معلوم؛ أي: لا يحيطون بشيءٍ مما يعلمُهُ الله، إلا بما شاء أن يُعْلِمَهُم إياه، هذا احتمال."
(1) ينظر: الصواعق المرسلة (4/ 1372) ،وتفسير ابن كثير (1/ 679 - 680) ،وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي (ص:110) ،وتفسير آية الكرسي، لمحمد ابن عثيمين (ص:17) .
(2) أخرجه البخاري معلقًا، في كتاب (العلم) باب (مايستحب للعالم ذكره إذا سئل أي الناس أعلم فليكل العلم إلى لله) ح (122) (1/ 57) .
(3) المحرر الوجيز (2/ 26) .