فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 589

قال الشعبي: فالله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم.

وقال قتادة: أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله .... وقال آخرون- منهم أبو إسحاق [1] والزمخشري، واللفظ لأبي إسحاق-: ذكر هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد؛ أي: لآتينهم من جميع الجهات، والحقيقة- والله أعلم-: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.

وقال الزمخشري: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وهذا مَثَلٌ لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه؛ كقوله (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) (الإسراء:64) [2] . وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك.

وهذا القول أعم فائدة، ولا يناقض ما قال السلف، فإن ذلك على جهة التمثيل لا التعيين" [3] ."

3 -أنه لا يلزم من تقريره نسبة الخطأ إلى السابقين، فهذا لا مانع منه إذ هو من الفهم الذي يؤتيه الله رجلًا في كتابه. ومعلوم أن القرآن لا تنقضي عجائبه، ولا يزال العلماء يستنبطون منه معاني جديدة لم يتلقوها عمن قبلهم. ومثال ذلك ما ذكره الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ) (سورة ص:11) .

قال:"يفهم منه أنه لو تستطيع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنه يرجع مهزومًا صاغرًا داخرًا ذليلًا، ومما يدل على أن الآية الكريمة يُشار"

(1) الظاهر أنه أبو إسحاق الزجاج.

(2) الكشاف (2/ 89) .

(3) إغاثة اللهفان، لابن القيم (1/ 102 - 104) .ومن الأمثلة في ذلك أيضًا ينظر: المحرر الوجيز (1/ 312) ،وبدائع التفسير (4/ 164) ، (5/ 169) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت