فهرس الكتاب
لكن لو فُهِمَ قولُ ابن عباس"عجزت العلماء عن علم تفسيرها"وقولُ الشعبي"إن سر القرآن فواتح السور"على معنى أن عَجْزَ العلماء عن تفسيرها وكونها سرًا مِن أسرار القرآن، غير مانع من الاجتهاد في معرفتها، ومحاولة الوصول إلى معانيها، إذ من الممكن أن يوفق الله بعض عباده لمعرفة تفسيرها، لأمكن الجمع وزال التعارض بين الأقوال.
وقد وَقَفتُ على ما يؤيد هذا الفهم في كلام بعض العلماء، فمن ذلك:
ما قاله ابن فارس في معرض كلامه عن الحروف المقطعة"وقال آخرون: لكل كتاب سرٌّ، وسرّ القرآن فواتح السور، وأظنّ قائل هَذَا أراد أن ذَلِكَ من السرّ لا يعلمه إلا الخاص من أهل العلم والراسخون فِيهِ" [1] .
وقد أشار الخطيب الإسكافي [2] إلى نحو من هذا بتفريقه بين القول بأنها من المتشابه المُُستَأْثَرِ بعلمه، وبين القول بأنها سرٌ من الأسرار، فقال في معرض سرده للأقوال الواردة في تفسير هذه الحروف:
"... والجواب الثالث: ماروِيَ عن طائفة منهم أبو الفاختة [3] [4] ،أن هذه الفواتح من المتشابه الذي لايعلم تأويله إلا الله."
والجواب الرابع: ما رُوِيَ عن الشعبي أنه قال: إن لله في كل كتاب سرًا، وسِرُّه في القرآن (الم) وما أشبهها.
وهذا القول غير الذي قبله-يقصد القول بأنها مما استأثر الله بعلمه-لأن من جعله من المتشابه صار إلى وجهين:
أحدهما: أن يكون مما يعلمه الله والراسخون في العلم.
(1) الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس (ص:163) .
(2) -محمد بن عبد الله أبو عبد الله الخطيب المعروف بالخطيب الإسكافي. عالم بالأدب واللغة والتفسير، من أهل أصبهان، كان إسكافا ثم خطيبًا بالري، له تصانيف حسنة، منها"درة التنزيل وغرة التأويل"،توفي سنة:420 هـ. ينظر: معجم الأدباء، للحموي (5/ 352) ،الأعلام (6/ 227) .
(3) سعيد بن عِلاقة أبو فاختة الهاشمي الكوفي مولى أم هانيء بنت أبي طالب. روى عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وشهد مشاهد علي - رضي الله عنه -.ينظر: الجرح والتعديل (4/ 51) ،تهذيب الكمال (11/ 28) .
(4) ويلاحظ أن القول بأن أبا فاختة قال بأنها من المتشابه الكلي، مُعارض بما أورده ابن الجوزي عن أبي فاختة أنها أسماء للسور. ينظر: زاد المسير (1/ 21) .