فهرس الكتاب
والقول الآخر: هو ما يذهب إليه طائفة لا يعرج على قولها من أن ذلك لا يعلمه غير الله تعالى.
ومن قال: إنه من أسرار الله تعالى في كتابه فإنه يجوز أن يطلع الله عليها وعلى أمثالها أنبياءه عليهم السلام لأنه يقول تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ? ? مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) (الجن:26 - 27) [1] .
وقول ابن عباس"عجزت العلماء عن تفسيرها"إنما يُفْهَمُ منه أن العلماء حاولوا تفسيرها فعجزوا، ولا يُفْهَمُ منه كونها مما استأثر الله بعلمه.
رابعًا: من أقوى الأدلة الدالة على كون هذه الحروف ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه: تفسيرُ الصحابة والتابعين لها، إذ لو كانت كذلك لَمَا تكلموا فيها.
ولا يُقال: لعلهم لم يعلموا بكونها من المتشابه، لأن مِثلَ هذا لا يخفى عليهم عِلْمُه، ولو خَفِيَ على بعضهم فلن يَخفَى على مجموعهم، وتكَلُّمُ كثير منهم في تفسير هذه الحروف يُضَعِّفُ كونها من المتشابه المطلق.
قال ابن قُدامة المقدسي [2] في معرض كلامه عن تفسير قوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (آل عمران:7) "فإن الوقف الصحيح عند أكثر أهل العلم على قوله (إِلَّا اللَّهُ) [3] ثم قال:"فثبت بما ذكرناه من الوجوه أن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، وأن مُتَّبِعَه من أهل الزيغ، وأنه مُحرمٌ على كل أحد، ويلزم من هذا أن يكون المتشابه هو ما يتعلق بصفات الله تعالى وما أشبهه، دون ما قيل فيه أنه المُجْمَل، أو الذي يَغْمُض عِلْمُه على
(1) كتاب المجالس للخطيب الإسكافي، (ص:54 - 55) ت: د/غانم قدوري الحمد.
(2) عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي موفق الدين أبو محمد الحنبلي. الشيخ الإمام الفقيه المفسَّر شيخ الإسلام، لزم الاشتغال بالعلم من صغره، وكان من بحور العلم، وأذكياء العالم، وصنف المصنفات الكثيرة، ومن أشهرها"المغني"توفي سنة:620 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (22/ 165) ،البداية والنهاية (13/ 99) .
(3) ذم التأويل لابن قدامة المقدسي (1/ 37) ،ت: بدر بن عبد الله البدر.