فهرس الكتاب
مناقشة هذا القول:
أما قولهم: إ ن كون هذه الحروف لا معنى لها ينافي مقصود القرآن من كونه كتاب هداية وإرشاد الخ، فغير مُسلَّم لأمور:
أولها: أن القول بأنها كذلك تكون منافية لكون القرآن كتاب هداية، إنما يُسَلَّم به لو قال قائل: إن هذه الحروف لا معنى لها ولا مقصد من ورائها، أما والجميع متفق على أن لها حِكَمًا ومقاصد فلا يُسلَّم هذا، إذ الهداية حاصلة بمقاصدها وحِكَمِها، بل كونها هكذا أدل على إعجاز القرآن، من حيث إنه ليس في استطاعة البشر التكلم بحروف مقطعة ليس لها معنى، ولها مقصد ومغزى.
قال الآلوسي [1] :"وما ذكره المُسْتَدِلُ من أنه لو لم تكن مفهمةً كان الخطابُ بها كالخطاب بالمُهْمَل الخ، فمُهْمَلٌ من القول وإن جلَّ قائله؛ لأنه إن أراد إفهام جميع الناس فلا نُسلِّم أنه موجود ... وإن أراد إفهام المخاطب بها -وهو هنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو مما لا يشك فيه مؤمن وإن أراد جملة من الناس فيها حيَّهلا؛ إذ أرباب الذوق يعرفونها ... وجهل أمثالنا بالمراد منها لا يضر، فإن من الأفعال التي كُلِّفْنَا بها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كرمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، والطاعة في مثله أدلُّ على كمال الانقياد ونهاية التسليم، فلِمَ لا يجوز أن يأمرنا من لا يُسأل عما يفعل -جل شأنه -بما لم نقف على معناه من الأقوال، ويكون المقصود من ذلك ظهور كمال الانقياد من المأمور للآمر، ونهاية التسليم والامتثال للحكيم القادر" [2] .
ثانيها:"أن اشتمال القرآن على كلمات غير ظاهرة المعنى، لا ينافي وصف القرآن بأنه بيان للناس وهدى ورحمة، فإن هذه الأوصاف يكفي في تحققها ثبوتها للقرآن باعتبار جملته ومجموعه لا باعتبار تفصيله وعمومه الشامل لكل"
(1) أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي البغدادي. وآلوس جزيرة في نهر الفرات، الإمام المفسر المحدث، ولد ببغداد وتقلد الإفتاء فيها ثم انقطع للعلم، وصنف التصانيف، توفي سنة:1270 هـ. ينظر: الأعلام (7/ 167) ،معجم المؤلفين (12/ 175) .
(2) روح المعاني (1/ 101) .