فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليهما اختلافَهُما [1] ،مما يدل على جواز وقوع الاختلاف في التفسير طالما هناك مسوغٌ له.
ومن هنا فإن بداية وقوع الاختلاف في التفسير كان في العصر النبوي، فقد كان الصحابة إذا اختلفوا في شيء من القرآن رجعوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليبينَ لهم الصواب.
فالاختلافُ في التفسير وإن بدأ في العصر النبوي إلا أنه كان نادرًا [2] .
لكن دائرة الاختلاف بدأت تتسع قليلًا في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -،لكونهم لم يتلقوا بيان جميع الألفاظ من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان عند أحد منهم بيانٌ لما وقع بينهم اختلاف.
ومن يقرأ في التفسير المأثور عن الصحابة يظهر له ما للصحابة من توقف في بعض معنى الآي، وما لهم من نصوص صريحة في الاجتهاد. ومن الأمثلة في ذلك:
ما رواه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير [3] ، عن ابن عباس حدثه قال: بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجل يسأل عن (گ ضَبْحًا)
(1) وهذا لا يعارض ما ورد في السنة من النهي عن الاختلاف في القرآن كحديث عبد الله عمرو قال: هجَّرْتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعرَفُ في وجهه الغضب فقال:"إنما هلك من كان قبلَكُم باختلافهم في الكتاب". أخرجه مسلم في صحيحه، ك: العلم، باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن (4/ 2053) ح (2666) .
فالنهي الوارد في الحديث محمول كما قال النووي:"على اختلافٍ لا يجوز كالاختلاف في نفس القرآن، أو في معنى منه لا يسوغُ فيه الاجتهاد، أو اختلافٌ يُوقِعُ في شكٍ أو شبهةٍ أوفتنةٍ أوخصومةٍ أوشجارٍ ونحو ذلك، وأما الاختلافُ في استنباط فروعِ الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة،"
وإظهار الحق ليس منهِيًّا عنه بل هو مأمورٌ به وفضيلةٌ ظاهِرَةٌ، وقد أجمع المسلمون على هذا مِن عهد الصحابة إلى الآن". شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 218 - 219) ."
(2) فمن خلال استقراء الكتب الستة لم يوقف على أمثلة لاختلاف التفسير في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - غير المثال الذي ذكرته وهو الاختلاف في المراد"بالمسجد الذي أسس على التقوى"،ومعظم ماروي من خلاف إنما يعود لاختلاف وجوه القراءات. ينظر: الاختلاف بين السلف في التفسير (ص 88) .
(3) سعيد بن جبيربن هشام الوالبي الكوفي أبو محمد. الحافظ المقريء المفسِّر الفقيه، جهبذ العلماء، روى عن ابن عباس وابن عمر، خرج مع ابن الأشعث في جملة مَن خرجوا على الحجاج، فلما هُزِمُوا هرب سعيد إلى مكة، وقُبضَ عليه بعد مدة فقتله الحجاج سنة 95 هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ (1/ 60) ،تهذيب التهذيب (4/ 11) .