الناس في جنب الله، ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا منك للناس)، وإدارك المعاني الصحيحة المحتملة من تمام الفقه؛ لأن إدراك المعاني المتعددة الصحيحة قد يغمض على كثيرين، فكان من تمام الفقه عند أبي الدرداء - رضي الله عنه - إدراك هذه المعاني.
ويلزم من هذا أن الناظر في تفسير السلف لا يستعجل في إبطال المعاني الواردة عنهم، بل يحرص على استظهار وجوه هذه الأقوال، وأن يتعرف على طريقة قبول هذه الأقوال المتعددة ما أمكن ذلك، ولا يعجل بالرد أو الاستدراك إلا ببينة واضحة لا لبس فيها.
-و ورد عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه جاءه رجل فسأله عن قوله تعالى (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت:45)
"فقال ابن عباس: الصلاة والصوم قال: ذاك ذكر الله، قال الرجل: إني تركت رجلًا في رحلي يقول غير هذا، قال: ولذكر الله أكبر قال: ذكر الله العباد أكبر من ذكر العباد إياه. فقال ابن عباس: صدق والله صاحبك". [1]
فابن عباس -رضي الله عنهما- أقر الرجل في تفسيره ولم ينكر عليه، رغم الاختلاف بين المعنيين؛ وذلك لأنهما لا يتضادان وإنما كل قول بمثابة المثال لذكر الله.
وقد أشار إلى ذلك ابن كثير [2] -رحمه الله-عند تفسير هذه الآية بقوله"وتشتمل الصلاة أيضًا على ذكر الله تعالى، وهو المطلوب الأكبر" [3] .
(1) تفسير الطبري (18/ 412) .
(2) أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير عماد الدين الدمشقي الشافعي. إمام فقيه متفنن، ومحدث متقن، ومفسر نقاد، له تصانيف مفيدة، ومنها: (تفسير القرآن العظيم) و (البداية والنهاية) وغير ذلك، مات سنة: 774 هـ. ينظر: الدرر الكامنة (1>445) ، طبقات المفسرين الأدنه وي (ص 260) .
(3) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (6/ 282) .وقد أشار الجصاص-رحمه الله- في تفسيره عند قوله تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (سورةالبقرة: 152) إلى المعاني التي ذكرها السلف في معنى الذكرثم علق بقوله"واللفظ محتمل لهذه المعاني وجميعها مراد الله تعالى لشمول اللفظ واحتماله إياه، فإن قيل لا يجوز أن يكون الجميع مراد الله تعالى بلفظ واحد لأنه لفظ مشترك لمعان مختلفة. قيل له ليس كذلك لأن جميع وجوه الذكر على اختلافها راجعة إلى معنى واحد."أحكام القرآن (1/ 114) .