فهرس الكتاب
وهذا التزمل فيه قولان:
الأول: تزمل بمعنى التف في ثيابه. وهو قول قتادة.
الثاني: المزمل بمعنى المتزمل النبوة والرسالة وهو قول عكرمة.
وقد رجح الطبري قول قتادة قال:"والذي هو أولى القولين بتأويل ذلك، ما قاله قتادة؛ لأنه قد عقّبه بقوله: (قُمِ اللَّيْلَ) فكان ذلك بيانا عن أن وصفه بالتزمُّل بالثياب للصلاة، وأن ذلك هو أظهر معنييه" [1] .
فكأن الطبري خصه بمعنى أنه متأهب للصلاة، فهذا كان فيه نوع من تحصيل حاصل، فإذا كان هومتأهبًا للصلاة فكيف يخاطب بالتأهب للصلاة، وإنما يخاطب بالتأهب للصلاة في حال أنه لم يتأهب لها فيقال: يأيها المزمل أي: يا من التف في ثيابه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحال إما نائما أو خائفا، حسب الخلاف في هذا. فيكون المعنى في هذا قم للصلاة.
أما على رأي الطبري فيكون من باب تحصيل حاصل، فهو أمرٌ له بما أراد أن يفعله، فهو متزمل للصلاة فيقال له يأيها المزمل قم الليل.
وما ذكره عكرمة هو قول صحيح بمعنى يأيها المزمل أي: قد زملت هذا الأمر فقم به، لأننا إذا رجعنا إلى مادة زمل في اللغة فهي تدل على معنى الثقل، ولما يقال له يأيها المزمل قم الليل فهذا الأمر هل فيه ثقل أو مافيه ثقل؟ هذا الأمر لاشك أن فيه ثقلًا على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فإذا مادة زمل ومدلول الثقل فيها متناسب مع قول عكرمة في أن المرادبه كما قال: زملت هذا الأمر فقم به يعني حملته، وهذا التعبير تعبير صحيح؛ لأن مادة زمل تدل على هذا المعنى، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خُوطِبَ واختيرت هذه الصيغة التي فيها التنبيه على ثقل هذا الأمر الذي أمر به - صلى الله عليه وسلم -.فإذا أخذنا بهذا المعنى فهو معنى صحيح متجه، ولا مانع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - في حال أمره بالقيام بالليل كان في هذه الحال التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.
(1) تفسير الطبري (23/ 358) .