فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 589

فقد جاء في هذه المقدمة قوله"فالقرآنُ من جانبِ إعجازهِ يكونُ أكثرَ معاني من المعاني المعتادة التي يُودِعُها البلغاء في كلامهم .. وهو لكونهِ كتابَ تشريعٍ وتأديبٍ وتعليمٍ كان حقيقًا بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ما تحتَمِلُهُ الألفاظُ في أقلِّ ما يمكنُ من المقدار، ... . والقرآن ينبغي أن يودع من المعاني كل ما يحتاج السامعون إلى علمه، وكلَّ ما لهُ حظ في البلاغةِ سواء أكانت متساويةً أم متفاوتة في البلاغة إذا كان المعنى الأعلى مقصودًا، وكان ما هو أدنى منه مُرادًا معه لا مُرادًا دونه، سواء أكانت دلالة التركيب عليها متساوية في الاحتمال والظهور أم كانت متفاوتة بعضها أظهر من بعض ولو أن تبلغ حد التأويل، وهو حمل اللفظ على المعنى المحتمل المرجوح. أما إذا تساوى المعنيان فالأمر أظهر، مثل قوله تعالى (ک گ گ گ) (النساء:157) ،أي: ما تيقنوا قتله ولكن توهموه، أو ما أيقن النصارى الذين اختلفوا في قتل عيسى علم ذلك يقينا بل فهموه خطأ، ومثل قوله (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) (يوسف:42) ففي كل من كلمة (ذكر) و (ربه) معنيان، وقد تكثر المعاني بإنزال لفظ الآية على وجهين أو أكثر؛ تكثيرًا للمعاني مع إيجاز اللفظ، وهذا من وجوه الإعجاز ... .. ولما كان القرآن نازلا من المحيط علمه بكل شيءٍ؛ كان ما تسمح تراكيبه الجاريةُ على فصيحِ استعمالِ الكلامِ البليغِ باحتمالهِ من المعاني المألوفةِ للعربِ في أمثالِ تلك التراكيب= مظنونًا بأنه مُرادٌ لِمُنزِّلِه، ما لم يمنع من ذلك مانعٌ صريحٌ أو غالبٌ؛ من دلالةٍ شرعيةٍ أو لغويةٍ أو توفيقيةٍ" [1] .

فيرى ابن عاشور جواز حمل اللفظ على جميع المعاني المحتملة ما لم يمنع من ذلك مانع لغوي أو يعارضه دليل شرعي، فهو يدعو إلى تكثير المعاني مع إيجاز اللفظ ويرى أن ذلك من وجوه الإعجاز.

(1) التحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 93 - 94) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت