فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 589

وقد استدل على هذه القاعدة بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:"ويدل لتأصيلنا هذا ما وقع إلينا من تفسيراتٍ مرويةٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لآيات فنرى منها ما نُوقِنُ بأنه ليس هو المعنى الأسبقَ من التركيب؛ ولكنَّا بالتأمل نعلمُ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أراد بتفسيرهِ إلا إيقاظ الأذهانِ إلى أخذِ أقصى المعاني من ألفاظ القرآن."

مثال ذلك: ما رواه أبو سعيد بن المعلى [1] قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه، فلما فَرغْتُ أقبلتُ إليه فقال:"ما منعك أن تُجِيبَنِي"؟ فقلتُ: يا رسول الله كنتُ أصلِّي فقال:"ألم يقل الله تعالى (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال:24) " [2] .

فلا شك أن المعنى المَسُوقَةُ فيه الآية هو: الاستجابة بمعنى الامتثال، كقوله تعالى (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) (آل عمران:172) ،وأن المراد من الدعوة الهداية كقوله تعالى (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران:104) ، وقد تعلق فعلُ (دَعَاكُمْ) بقوله (لِمَا يُحْيِيكُمْ) أي: لما فيه صلاحكم، غيرَ أن لفظَ الاستجابة لما كان صالحًا للحملِ على المعنى الحقيقي أيضًا وهو: إجابة النداء، حمل النبي - صلى الله عليه وسلم - الآية على ذلك في المقام الصالحِ له، بقطعِ النظر عن المتعلقِ وهو قوله (لِمَا يُحْيِيكُمْ) ... وما أرى سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواضع سجود التلاوة من القرآن إلا راجعا إلى هذا

(1) مختلف في اسمه فقيل: رافع، وقيل: الحارث، وقيل: أوس. قال ابن عبد البر: وأصح ما قيل في اسمه الحارث بن نفيع بن المعلى الأنصاري الزرقي .. له صحبة، يعد من أهل الحجاز .. توفي سنة أربع وسبعين، وهو ابن أربع وستين سنة، ينظر::الا ستيعاب (4/ 1669) وما بعدها، والإصابة (7/ 175) .

(2) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (التفسير) ،باب (ماجاء في الفاتحة الكتاب) ،ح (4204) (4/ 1623) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت