الأصل [1] ،فإن كان فهما منه رجع إلى ما شرحنا تأصيله، وإن كان وحيًا كان أقوى حجة في إرادة الله من ألفاظ كتابه ما تحتمله ألفاظه مما لا ينافي أغراضه" [2] ."
ثم بيّن أن هذا الأصل معروف عند السلف حيث يقول:"وكذلك لما ورد عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم من الأئمة مثل ما روي أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أصبح جنبًا في غزوة في يوم بارد فتيمم وقال: الله تعالى يقول: (وَلَا چ چ چ چ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء:29) مع أن مورد الآية أصله في النهى عن أن يقتل الناس بعضهم بعضا" [3] .
وقد جعل ابن عاشور اختلاف القراءات المتواترة التي تؤدي إلى اختلاف المعاني من هذا الأصل"وإن القراءات المتواترة إذا اختلفت في قراءة ألفاظ القرآن اختلافا يفضي إلى اختلاف المعاني لمَِمَّا يرجع إلى هذا الأصل."
ثم إن معاني التركيبِ المحتملِ معنيينِ فصاعدًا قد يكونُ بينهما العمومُ والخصوصُ، فهذا النوع لا تَرَدُّدَ في حمل التركيب على جميع ما يحتملُهُ ما لم يكن عن بعضِ تلك المحامِلِ صارفٌ لفظيٌّ أو معنويٌّ.
مثل: حملُ الجهادِ في قوله تعالى (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ) (العنكبوت:6) على معني مجاهدةِ النفسِ في إقامة شرائعِ الإسلامِ، ومقاتلة الأعداء في الذبِّ عن حوزة الإسلام.
ثم قال: وإنك لتمر بالآية الواحدة فتتأملها وتتدبرها، فتنهال عليك
(1) يعني-والله أعلم- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمم الحكم الذي من أجله سيقت الآية، كما جاء في أول مواضع السجود= =في القرآن في خاتمة سورة الأعراف (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ ? ?) فالظاهر أنه يعني بهم الملائكة، فسجود النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذا الموضع يكون قد نقل الآية من المعنى الخاص (سجود الملائكة) إلى المعنى العام (سجود كل من تتلى عليه هذه الآية) .
(2) -التحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 94 - 95) .
(3) -التحرير والتنوير (1/ 95 - 96)