تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [1] ، وقال ها هنا {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [2] ، فإن التعدد حرام ولا يسعك سوى الزواج من واحدة جمعا بين الآيتين. وقد رد الراغب الأصفهاني رحمه الله عليها بقوله:"وهذا القائل خفي عليه الفرق بين العدلين، فإن العدل في تلك الآية تركُ ميل القلب، وذلك مرفوع عن الإِنسان، لقوله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [3] ، وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) عنى به العدل الذي هو حق القسم والنفقة، ولهذا قال (فَإِنْ خِفْتُمْ) فإن الخوف يقال فيما فيه رجاء ما." [4] .
وختاما لهذا المطلب الهام أقول: إن التعدد من"التي هي أقوم"، وهو من"خير الهدي"، وهو من فعل الصحابة بالإجماع. كيف ذلك؟
1/ أما كونه من"التي هي أقوم"، فذلك لأن ربنا عز وجل يقول في كتابه العزيز {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [5] ،"ومن هدي القرآن للتي هي أقوم إباحته تعدد الزوجات إلى أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن، لزمه الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه، كما قال تعالى ... ، ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، هي إباحة تعدد الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كل العقلاء." [6]
2/ وأما كونه من"خير الهدي"فلأن التعدد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى لا يختار لنبيه إلا الأكمل والأفضل، فمن حديث جابر بن عبد الله أن
(1) سورة النساء، الآية: 129.
(2) سورة النساء، الآية: 3.
(3) سورة البقرة، الآية: 286.
(4) الراغب الأصفاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى، تفسير الراغب الأصفهاني، تحقيق: عادل بن علي الشِّدِي، ط 1،) الرياض: دار الوطن، 1424 هـ - 2003 م (، 3/ 1090.
(5) سورة الإسراء، الآية: 9.
(6) الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن،) بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 هـ - 1995 م (، 3/ 22.