فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوكٌ فيه، أشار بترك الشَّكِّ والرِّيبة إلى اليقين ليتخلَّص رسول الله من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه مِن كلام الناس، فأشار بحسم الداء، لما عَلِمَ حُبَّ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لها ولأبيها، وعلم مِن عِفتها وبراءتها، وحصانتها وديانتها ما هي فوقَ ذلك، وأعظم منه، وعرفَ مِن كرامةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على ربِّه ومنزلته عنده، ودفاعِه عنه، أنه لا يجعلُ ربةَ بيته وحبيبته من النساء، وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها بهِ أربابُ الإفك، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرم على ربه، وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيًَّا، وعلم أنَّ الصِّدِّيقةَ حبيبةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمُ على ربها مِن أن يَبْتَلِيهَا بالفاحِشَةِ، وهي تحتَ رسوله. [1]
حُبِسَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحيُ شهرًا
واقتضى تمامُ الامتحان والابتلاء أن حُبِسَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحيُ شهرًا في شأنها، ولا يُوحى إليه في ذلك شيء لتتم حِكمتُهُ التي قدَّرها وقضَاهَا، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنونَ الصادِقُونَ إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق، وحُسْنِ الظنِّ باللهِ ورسولهِ، وأهل بيتهِ، والصِّدِّيقينَ مِن عباده، ويزدادَ المنافقون إفكًا ونفاقًا، ويُظهِرَ لرسوله وللمؤمنين
(1) زاد المعاد لابن قيم الجوزية.