اتصال قوي، حتى أنه وصى إليه على أولاده، وصنف له كتابًا سماه (الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية) [1]
ثم ذكر شيخ الإسلام أثر الجهمية والمعتزلة في فتنة القول بخلق القرآن وامتحان العلماء:
قال: (( ثم لما ولي الخلافة(يعني المأمون) اجتمع بكثير من هؤلاء - يعني الجهمية والمعتزلة - .. ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب - وهو بالثغر بطرسوس التي ببلد سيس - إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتابًا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا: القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد، ثم كتب كتابًا ثانيًا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح؛ فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه، ثم أوصى إليه أخوه أبو إسحاق، وكان هذا سنة ثماني عشرة ومائتين، وبقي أحمد في الحبس إلى سنة عشرين فجرى ما جرى من المناظرة حتى قطعهم بالحجة، ثم لما خافوا الفتنة ضربوه وأطلقوه.
وظهر مذهب النفاة الجهمية وامتحنوا الناس فصار من أجابهم أعطوه وإلا منعوه العطاء وعزلوه من الولايات، ولم يقبلوا شهادته، وكانوا إذا افتكوا الأسرى يمتحنون الأسير، فإن أجابهم افتدوه وإلا لم يفتدوه.
وكتب قاضيهم أحمد بن أبي داود على ستارة الكعبة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ العزيز الحكيم} لم يكتب {وهو السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
ثم ولي الواثق واشتد الأمر إلى أن ولي المتوكل فرفع المحنة وظهرت حينئذ السنة )) [2]
قلت: لو كان شيخ الإسلام حيًا لرأى مصداق قوله في واقع المسلمين في كثير من بلاد المسلمين في الوقت الراهن تحت هيمنة أهل الأهواء والبدع العلمانية، والأقليات الباطنية، والرافضية، والصوفية، والمقابرية، والله المستعان.
بينما البلاد التي تسود فيها السنة لا تزال - بحمد الله - قوية عزيزة وشعائر الدين فيها ظاهرة، والسنة منصورة كما هو الحال في المملكة العربية السعودية، ولذلك ضاق
(1) -المرجع السابق (13/ 180) .
(2) - انظر الفتاوى (13/ 183 - 184) .