فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 76

وقد أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بقوله: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهّودانه، أو يُنصّرانه، أو يُمجّسانه) [1] .. الحديث.

فكما يتوجه هذا إلى كل إنسان مولود، يتوجه إلى أول إنسان وهو آدم - عليه السلام - من باب أولى، فعقيدة التوحيد والخير والصلاح هي الأصل الذي كان عليه آدم - عليه السلام -، والأجيال الأولى من ذريته، فكانوا على التوحيد الخالص [2] . أما الشرك والضلال فإنما هي أمور طارئة لم تحدث إلا بعد آدم - عليه السلام - بأزمان وأجيال، وعلى التدريج، فقد صح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: (كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) [3] .

وإلى هذا تشير الآية في قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [سورة البقرة، الآية: 213] .

أي: كانوا على الحق والهدى أمة واحدة على دين واحد - أول الأمر - فاختلفوا فيما بعد. كذا فسرها كثير من السلف [4] .

وفي عهد نوح - عليه السلام - كان الشرك سائداص في قومه، فكانوا يعبدون الأصنام من دون الله، لذلك قال الله تعالى عن نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأيتان: 25 - 26 / سورة هود] .

وبهذا يتبين قطعًا أن العقيدة السليمة والتوحيد الخالص هما الأصل في تاريخ البشرية، وأن الضلال والشرك والوثنية أمور طارئة بعد أحقاب من الزمان بعد آدم - عليه السلام (*) .. والله أعلم.

(1) - متفق عليه. انظر: صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب إذا أسلم الصبي - فتح الباري 3/ 219. ومسلم - كتاب القدر - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة. الحديث / 2658، جـ 3/ 1047.

(2) - وهذا خلاف النظريات الخاطئة التي سادت بين من يسمون بعلماء الاجتماع وغيرهم وبعض الكتاب المحدثين، التي تزعم أن البشرية كانت تعبد آلهة متعددة، ثم تطورت من الشرك والوثنية إلى التثليث والمثنوية فالتوحيد، وهذا زعم يكذبه القرآن والسنة والعقل السليم.

(3) - ممن قال بهذا - أيضًا - قتادة وابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهم، هامش (3) . وتؤيده قراءة (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا) .

(4) - راجع الآية السابقة في: تفسير الطبري 2/ 194 - 195. وتفسير ابن كثير 1/ 218. وانظر دعوة التوحيد، للدكتور محمد خليل هراس، ص 106 - 119.

(*) هذا بالنسبة للإنسان، وكذلك الملائكة والجن الأصل فيها التوحيد. أما المخلوقات الأخرى غير المكلفة فإنما قامت على التوحيد والعدل ولا يتصور منها الخروج عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت