وشتان بين المشربين، لا سيما وأن العقيدة توقيفية غيبية لا مجال للاجتهاد فيها كما هو معلوم.
فإن العقيدة الإسلامية الصافية لاضطراب فيها ولا التباس، وذلك لاعتمادها على الوحي، وقوة صلة أتباعها بالله، وتحقيق العبودية له وحده، والتوكل عليه وحده، وقوة يقينهم بما معهم من الحق، وسلامتهم من الحيرة في الدين، ومن القلق والشك والشبهات، بخلاف أهل البدع فلا تخلو أهدافهم من علة من هذه العلل.
أصدق مثال على ذلك ما حصل لكثير من أئمة علم الكلام والفلسفة والتصوف، من اضطراب وتقلب وندم، بسبب ما حصل بينهم من مجانبة عقيدة السلف، ورجوع كثير منهم إلى التسليم، وتقرير ما يتعقده السلف، خاصة عند التقدم في السن، أو عند الموت.
كما حصل للإمام أبي الحسن الأشعري، حيث رجع إلىعقيدة أهل السنة والجماعة في"الإبانة"بعد الاعتزال ثم التلفيق.
والباقلاني ت 403 في"التمهيد".
ومثله أبو محمد الجويني، ت 438، والد إمام الحرمين، في"رسالة في إثبات الاستواء والفوقية".
ومثله إمام الحرمين، ت 478 في"الرسالة النظامية".
والشهرستاني، ت 548، في"نهاية الإقدام".
والرازي (فخر الدين) ، ت 606 في"أقسام الملذات"وغيرهم كثيرون، ومن ذلك أيضًا [1] .
سلاسة أتباعها - في العموم - من التلبس بالبدع والشركيات والآثام والكبائر، فأهل السنة في عمومهم، هم أسلم الناس من الوقوع في البدع، ولا تكون فيهم الشركيات. أما الذنوب والمعاصي والكبائر فقد يقع فيها طوائف منهم لكنها فيهم أقل من غيرهم، وغيرهم لا يسلم من علة من هذه العلل البدعية والشركية، كما أن المعاصي والكبائر هي في أهل الافتراق أكثر من غيرهم في الجملة.
فالمتكلمة من المعتزلة، وكثير من الأشاعرة ونحوهم قالوا في الله بغير علم، وخاضوا في الغيب بغير علم، والمتصوفة والمقابريون وسائر أهل البدع عبدوا الله بغير ما شرع، والرافضة، والباطنية ونحوهم كذبوا على الله - تعالى - وافتروا على رسوله - صلى الله عليه وسلم - حتى صار الكذب دينًا لهم، والخوارج تشددوا في الدين فشدد الله عليهم.
(1) - راجع: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 4/ 72، 73. ودرء التعارض 1/ 157 - 170. وشرح الطحاوية، لابن أبي العز، ص 242 - 247 تحقيق التركي والأرناؤوط. ومقدمة شعيب الأرناؤوط، على كتاب"أقاويل الثقات"للإمام مرعي بن يوسف الكرمي، ت 1033، ص 14 - 22.