وقال - صلى الله عليه وسلم:"لقد تركتم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" [1] .
والبيضاء هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وسائر ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الشرع والدين، حيث لم تتغير ولم تتبدل منذ عهد السلف في القرون الفاضلة حتى اليوم، بألفاظها وأسانيدها، كما جاءت في القرآن والسنة، وكما تلفظ بها أئمة الهدى.
بخلاف معتقدات المتكلمين من المعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية والكلابية، ونحوهم، فإنك تجد الكثير من ألفاظهم ومعتقداتهم لا يطابق في لفظه ومعناه ما جاء عن أئمة السلف في القرون الفاضلة - إلا القليل - ولا تجد - كثيرًا مما يعتقدونه مسندًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين، وبخاصة في مسألة الصفات والقدر، بل لا تجدهم - في الغالب - متفقين على لفظ ولا معنى في المسائل التي ابتدعوها.
فلتراجع كتبهم، ففيها البرهان على ذلك، والله المستعان.
(3) حقيقة انتساب الجماعات المعاصرة
إلى أهل السنة والجماعة ومستلزماته
إن المتأمل لواقع الدعوات والحركات الإسلامية القائمة اليوم يجد أن غالبها يدعي الانتماء إلى أهل السنة والجماعة.
وهذه الدعوى (ترويجية) قد يدعيها الصادق والكاذب، ويدعيها من لا يعي معناها وهو الأغلب، فمثلها كمثل ادعاء الإسلام من قبل سائر الفرق التي نشات في الإسلام حديثًا وقديمًا، فكما أن الرافضة تدعي الإسلام - والإسلام منها براء - وكذلك الجهمية والخوارج و الباطنية، وغلاة الصوفية، وغلاة الفلاسفة ... وكذلك القاديانية، والبهائية، والبريلوية، والبهرة، و النصيرية، والإسماعيلية، وغيرهم كثير، كل هؤلاء يدعي الإسلام، وربما بعضهم يدعي أنه وحده الجدير بالإسلام.
فكما توجد هذه الدعوى ; كذلك توجد دعوى الانتساب إلى أهل السنة والجماعة من الكثيرين من الدعاة والحركات والدعوات المعاصرة، مع الفارق في نوع الدعوى.
ولا شك أن منها - أعني الدعوات والحركات المعاصرة - ما هوجدير بالانتماء لأهل السنة، ومنها ما هو بعيد منها كل البعدعن أهل السنة، ومنها من يعني بأهل السنة، الأشاعرة أو الماتريدية [2] ، ونحوهم من الفرق التي هي أقرب إلى أهل السنة في الجملة، ومنها من لايدري ما يعني تمامًا، ومنها من لا يهمه إلى أي عقيدة ينتمي.
هذا وسأذكر - بإيجاز - أهم ما يحضرني من المستلزمات التي تترتب على الانتماء لأهل السنة والجماعة، فمن ذلك:
1 -من أهم ما يلزم لمن انتمى إلى أهل السنة - لا سيما إن كان داعية - أن يتعلم عقيدتهم، وأن يتشبع بها، ويكون ملمًا بأصولها في الجملة، وأن يطلب العلم الشرعي، ويتفقه في الدين على العلماء والمشايخ، ليدعو على بصيرة وهدى، وأن يوجه أتباعه إلى أخد العلم الشرعي عن المشايخ.
(1) - أخرجه ابن أبي عاصم في السنة من طرق كثيرة، وصححه الألباني. انظر: السنة 1/ 26، 27، الأحاديث / 47، 48، 49. وابن ماجة في المقدمة، ص 16 في الحديثين / 43، 44.
(2) - دعوى الأشاعرة والماتريدية ومن انتسب إليهم أنهم هم أهل السنة أو أنهم من أهل السنة فيها شيئ من المغالطة واللبس والإيهام، ولذلك سأعقد لها فصلًا لاحقًا يلي هذا الفصل. فليراجع.
(3) - أقصد بذلك الدعاة وطلاب العلم والعلماء. أما عامة الناس، فالسلف يرون أنهم لا يكلفون بمعرفة العقائد على التفصيل وإنما على الإجمال. انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص 10 - 11. ودرء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، ص 1/ 51.