لأنها غيب، والغيب يقوم ويعتمد على التسليم والتصديق المطلق لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فالتسليم بالغيب من صفات المؤمنين التي مدحهم الله بها، قال تعالى: {آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة، الآية: 1 - 3] .
والغيب لا ُتدركه العقول ولا تحيط به، ومن هنا، فأهل السنة يقفون في أمرالعقيدة على ما جاء عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف أهل البدع والكلام، فهم يخوضون في ذلك رجمًا بالغيب، وأني لهم أن يحيطوا بعلم الغيب، فلا هم أراحوا عقولهم [1] بالتسليم، ولا عقائدهم وذممهم بالاتباع، ولا تركوا عامة أتباعهم على الفطرة التي فطرهم الله عليها.
لأن عقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على الاتباع والاقتداء والاهتداء بهدى الله - تعالى - وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - وما عليه سلف الأمة، فهي تستقي من مشرب الفطرة والعقل السليم، والهدي القويم، وما أعذبه من مشرب.
أما المعتقدات الأخرى فماهي إلا أوهام وتخّرصات تعمي الفطرة، وتحيّر العقول.
فلا يوجد - بحمد الله - أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة ليس له أصل وسند وقدوة من الصحابة والتابعين، وأئمة الدين إلى اليوم، بخلاف عقائد المبتدعة التي خالفوا فيها السلف، فهي محدثة، ولا سند لها من كتاب أو سنة، أو عن الصحابة والتابعين، وما لم يكن كذلك فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة [2] .
تمتاز عقيدة أهل السنة والجماعة بالوضوح والبيان، وخلوها من التعارض والتناقض
والغموض، والفلسفة والتعقيد في ألفاظها ومعانيها، لأنها مستمدة من كلام الله المبين
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى. بينما المعتقدات الأخرى هي من تخليط البشر أو تأويلهم وتحريفهم،
(1) - ينبغي أن لا يُفهم من هذا أن الإسلام يحجر على العقل ويعطل وظيفته ويلغي موهبة التفكير لدى الإنسان، بالعكس فالإسلام أتاح للعقل من مجالات العلم والنظر والتفكير والإبداع ما هو كفيل بإشباع هذه النزعة في خلق الله وشئون الحياة وآفاق الكون الواسعة وعجائب النفس الكثيرة، إنما - كما قلت - قد أراح الله الناس من التفكير فيما لا سبيل له من أمور الغيب. وذلك إشفاقًا على العقل وحماية له من التيه والضياع في متاهات لايدرك غورها، والله أعلم.
(2) - انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية 1/ 9.