فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 76

(5)بين أهل السنة والأشاعرة

هناك لبس كبير يقع فيه بعض الناس قديمًا وحديثًا، ذلكم هو دعوى الأشاعرة بأنهم أهل السنة، ووصفهم بذلك من غيرهم - أحيانًا - وهذه دعوى عريضة فيها الكثير من الإيهام والخلط، وبيان هذا - على سبيل التفصيل - يحتاج إلى بحث طويل، لكني سأحاول بيان ما أعرفه حيال ذلك بإيجاز بالغ على النحو التالي:

أولًا: أن أهل السنة والجماعة: سُموا بذلك لأنهم هم الذين على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم الجماعة الذين ذكرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] .

وعليه، فأهل السنة: الصحابة والتابعون ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، ولم يبتدع ولم يغيّر. ومن غيّر أو بدل أو أحدث في الدين ما ليس منه وما لم يكونوا عليه في الاعتقاد والسنة فليس منهم فيما غيّر أو بدّل.

ثانيًا: أما الأشاعرة: فإنهم فرقة كلامية طارئة، نشأت بعد القرون الفاضلة [2] ، فهي تنتسب إلى الإمام أبي الحسن علي بن اسماعيل الأشعري المتوفى سنة (324 هـ) رحمه الله - وكان معتزليًا، ثم تحول عن المعتزلة عام (300 هـ) تقريبًا، وصار يرد عليهم بأساليبهم الكلامية من جانب، وبنصوص الكتاب والسنّة من جانب آخر، وبهذا وقف للمعتزلة وتصدى لهم [3] ، هو ومن نهج منهجه حتى أفحمهم، وهذا عمل جليل يُحمد عليه.

* وفي هذا الجو نشأ مذهب عقدي تلفيقي مخضرم، لا هو سنّي خالص، ولا كلامي عقلاني خالص، حتى هدأت العاصفة وانجلى غبار المعركة ضد المعتزلة، وقد أبلى فيها الإمام أبو الحسن الأشعري بلاءًا حسنًا، وخرج منتصرًا على المعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم [4] . وهنا استبصر الأشعري الحق وعرف أنه إنما انتصر بتعويله على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ونصره للسنة وأهلها، ووقفه مع أئمة السلف الآخرين.

ثم تراجع عن مقولاته في الصفات وغيرها التي سلك فيها مسلك التأويل والتعويل على

(1) - انظر: راجع ما جاء في المبحث الأول.

(2) - أي في نهاية القرن الثالث الهجري، وذلك بعد أن تخلى الإمام أبو الحسن الأشعري عن الاعتزال سنة (300) هـ.

انظر: مقدمة الإبانة، للشيخ حماد الأنصاري، ص 8.

(3) - انظر: كذب المفترى، لابن عساكر، ص 38 - 45.

(4) - انظر: المصدرين السابقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت