فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 76

العقل، والكلام في أمور الغيب والصفات والقدر فقرر أن يلحق بركب أهل السنة والجماعة، فأبان عن ذلك في كتابه"الإبانة" [1] ، ووفقه الله للتخلص من التلفيق العقديّ فقال:

"... وقولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، بما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون ..." [2] .

لكن مذهبه الثاني: النقلة من الاعتزال إلى طريقة ابن كلاّب الكلامية بقي مذهبًا يُحتذى إلى اليوم، لأنه يشبع رغبات الفلاسفة والمتكلمين وأهل التأويل.

فالأشاعرة تنتسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري قبل عودته إلى أهل السنة. وبعد فراره من الاعتزال، وبالرغم من أنه تخلى عن هذا المذهب، وكتب خلافه في"الإبانة"والمقالات، إلا أن الأشاعرة لا يزالون يُحمّلونه تبعته.

هذاعن نشأ مذهبهم، فالأشاعرة مذهب طارئ ملفق بين أهل السنة وأهل الكلام، لذلك صاروا أقرب الفرق الكلامية إلى أهل السنة.

ومن جانب آخر فالأشعرية مرت بأطوار تاريخية، في كل طور تزداد الشقة بينهم وبين أهل السنة، لا سيما ما أدخل فيها زعماؤهم اللاحقون تلك الأسس والمعتقدات الدخيلة من الفلسفة، والتصوف، والمنطق، والكلام، والجدل، حتى صارت عقيدة الأشاعرة مزيجًا من تلك الأخلاط.

ومن أبرز أولئك: الباقلاني، المتوفى سنة (403 هـ) ، والقشيري، المتوفى سنة (465 هـ) ، وأبو المعالي الجويني، المتوفى سنة (478 هـ) ، وابن العربي، المتوفى سنة (543 هـ) ، والغزالي، المتوفى سنة (505 هـ) ، والفخر، الرازي، المتوفى

سنة (606 هـ) ، والآمدي، المتوفى سنة (682 هـ) ، ونحوهم، غفر الله لنا ولهم [3] .

فأصبحت الأشاعرة اليوم مزيجًا من المشارب والمعتقدات بين أهل السنة والفلسفة والتصوف وعلم الكلام، لذلك نجدهم أكثر من ينتسبون للسنة وقعًا في المخالفات العقيدة والعبادية (أي بدع العقائد والعبادات) وهذا بخلاف أهل السنة في كل زمان. كما نجد أن كثيرًا من الأشاعرة (حاليًا) منضوون تحت الطرق الصوفية البدعية، وتكثر فيهم بدع القبور والتبرك البدعي بالأشخاص والأشياء، وبدع العبادات والأذكار والموالد

ونحوها، وهذه البدع هي التي تميّزهم - حاليًا - عن أهل السنة بوضوح.

(1) - في هذا الكتاب قرر الأشعري - رحمه الله - مذهب أهل السنة في سائر أصول الاعتقاد. فليراجع (مطبوع) .

(2) - راجع:"الإبانة عن أصول الديانة"، ص 52.

(3) - من توفيق الله لهؤلاء الأئمة الاجلاء - رحمهم الله - أن غالبهم تراجعوا عن مقولاتهم في التأويل أو بعضها فيما خالفوا فيه أهل السنة. انظر: المبحث الثاني (خصائص العقيدة الإسلامية) من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت