ومما يناقض التوحيد ويخدشه: شيوع البدع والخرافات كالموالد والتمسح بالقبور والأشخاص والأحجار والأشجار وغيرها، ومن الحلف بغير الله، ونحو ذلك.
كل هذا وغيره مما هو خلل في التوحيد ; من الأمراض المستشرية في جسم الأمة الإسلامية، ولا بد من علاجه أولًا قبل غيره من الأمراض الخلقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية ... إلخ. لأن مرض الاعتقاد هو مرض القلوب، وهو الداء العضال والمرض الأول الذي نتجت عنه جميع الأمراض والانحرافات الخلقية وغيرها، وهذا هو داء الأمم قديمًا وحديثًا.
فهذا المرض على الرغم من خطره وانتشاره ووضوحه لم يلق من كثير من الدعوات الإصلاحية ما يستحقه.
تنبيه:
حينما أقول: إنه يجب العناية أولًا بالتوحيد ومحاربة البدع والشركيات ; فهذا لا يعني أن يغفل الدعاة الجوانب الأخرى من تحقيق المصالح، ودرء المفاسد وعلاج الانحرافات الاجتماعية والخلقية والفكرية والسياسية والاقتصادية، وما أثقلها وأعظمها وأعقدها، إنما أقول: إن الداعية يجب عليه أن يهتم بكل شيئ يهم الإسلام والمسلمين مهما صغير أو قل، ولو قصر في شيئ كان ملموًا بقدر تقصيره فيما يقدر عليه، وهذا هو مقتضى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح الذي أمر الله به، وأمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فاهتمام الداعي المصلح لا سيما الدعوات والحركات الجماعية لا بد أن يأخذ صفة الشمول في الإصلاح، إنما يكون للأولويات اعتبار، بحيث يبدأ بما بدأ الله به وبدأ به رسله الكرام جميعًا، وما بدأ به رسولنا - صلى الله عليه وسلم - على وجه الخصوص، وهو التوحيد، فيبدأ بالأخطر والأعظم ظلمًا وهو الشرك والبدع وفساد العقائد، وفي الوقت نفسه يسعى إلى الإصلاح وينهى عن الفساد.
وهناك أمر يغفل عنه الكثيرون، ألا وهو أن صلاح أحوال الناس في معاشهم وأخلاقهم مرتبط بسلامة توحيدهم وعقيدتهم، قال الله - تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [سورة الأعراف، الآية: 96] .
والإيمان والتقوى لا يتحققان إلا بصحة الاعتقاد وسلامة العبادة، إذ قبول الأعمال الصالحة المفروضة منها والمسنونة كالصلاة والزكاة والصيام والحج والدعاء والإحسان إلى الناس، والبر والصدق والعفاف والصلة، كل ذلك وغيره مرتبط بصحة الاعتقاد، وصحة الاتباع، وبالإخلاص لله تعالى وحده، وأن يكون العمل صوابًا على مقتضى أمر الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم.
ومما يُؤسف له أن بعض الحركات لا تكتفي بالاستهانة بهذا الواجب العظيم والتخلي عنه، وهو تطهير عقائد المسلمين وعباداتهم، بل تلمز من يقوم بذلك، وترى أن هذا المنهج عقيم ناتج عن قصور التفكير وضيق الأفق، وأحيانًا تدعي أن ذلك اهتمام بالقشور، ويتمثل هذا في الذين يأخذون على الدعوات السنة - كأنصارالسنة والسلفيين و أهل الحديث- اهتمامهم بتخليص الأمة من البدع والخرافات وعنايتهم بتصحيح العقائد. نعم قد يكون لدى هذه الجماعات شيئ من القصور والأخطاء في الأساليب، أما