ولو تأملنا نصوص القرآن والسنة لوجدنا أن الاهتمام بالأصول يشير إلى أن هذا هو الواجب الأول في الدعوة، وهو الذي به يحصل صلاح الناس وأحوالهم، وبه ينتهون عن الفساد والمنكر من تلقاء أنفسهم، وإلى هذا المعنى وجهنا الله - تعالى - إلى إقامة الصلاة، وهي من الأصول العظيمة، وبيّن أن إقامتها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فقال - تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [سورة العنكبوت، الآية: 45] .
وبيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن عبادة الله وحده وترك الشرك وإقامة أركان الإسلام هي الإسلام الذي يرضاه الله ويأمر به، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا فعل ذلك صلحت أموره، فقد جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم، وفيه: (فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال:"أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان ..."الحديث) [1] .
ومن ذلك قصة الرجل الذي سأل النبي- صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام، فذكر له صلى الله عليه وسلم:"الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج"، فقال الرجل:"والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لئن صدق ليدخلن الجنة" [2] .
وذلك لأنه من المعلوم بالضرورة أن من فعل هذه الأمور العظيمة على وجهها كما أمر الله، مخلصًا دينه لله، فإن سائر أحواله ستصلح ويهديه الله سبل الخير والصلاح والفلاح، وجنة الله ورضوانه. كما قال - تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [سورة محمد، الآية: 2] .
ولا يعني هذا أني أقلل من شان محاربة الفساد والانحرافات الخلقية، كلا والله، فهذا (أي النهي عن الفساد) أصل عظيم من أصول الدين، لكني أقول يجب أن نبدأ بما بدأ الله به، وبدأ به أنبياؤه من حيث الأولوية، ونعطي كل أمر حقه، كما أمر الله، فالإسلام كل لا يتجزأ، والإيمان بضع وسبعون شعبة، لكني أقول: إن حق الله أولى،
وبعده ترتب الأمور كما جاءت في دين الله.
فتوحيد الله وطاعته، وطاعة رسوله، واتباع شرعه، ونبذ الشرك والطاغوت، أصل عظيم، ثم إقامة الفرائض من الصلاة والزكاة والصيام والحج أصل عظيم، ثم الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أصل عظيم، ثم النهي عن الفساد في الأرض، والأمر بالفضائل أصل عظيم كذلك، فكل الأصول يجب أن نهتم بها.
لكن الأصل الأول هو أجلّها وأعظمها، وهو العروة الوثقى، قال - تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا} [سورة البقرة، الآية: 256] .
(1) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان، الحديث (9) 1/ 39.
(2) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام، الحديث (12) 1/ 42.