فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 51

ومع تطور الممارسة الدبلوماسية والانتقال إلى مرحلة الدبلوماسية الدائمة منذ القرن الخامس عشر تطورت العلاقات الدولية واتخذت منحى العلاقات الشخصية نظرا لسيطرة مفهوم السيادة الشخصية، حيث انعكست على هذه العلاقات وبدت وكأنها علاقات شخصية تنشأ بين الملوك والأمراء مما أسبغ على المبعوثين الدبلوماسيين الصفة الشخصية على اعتبار أنهم الممثلون الشخصيون لملوكهم، فارتكزت الحصانات على هذه الصفة التمثيلية والقائمة على كرامة وعظمة السيد الحاكم المجسد لإرادة الدولة فكان أي اعتداء على الممثل الدبلوماسي أو إهانة توجه إليه تعتبر كأنها وجهت للحاكم الذي بعثه. [27]

ولقد هجر الفقه هذه النظرية لتعارضها مع سيادة الدولة المعتمد لديها، ولأنها لو صدقت في حالة الحصانة خلال العمل الرسمي، فإنها لا تصدق على الحصانة الشخصية التي يتمتع بها الدبلوماسي خارج نطاق عمله. [28]

وأيضا لقصور هذه النظرية عن تفسير كثير من الأوضاع، فمن ذلك إذا كان الدبلوماسي يتمتع بالحصانات والامتيازات بوصفه ممثلا للدولة فقط فلأي سبب يجب أن تتمتع عائلته بهذه المزايا وهي ليس لها أية صفة تمثيلية؟

وإذا كانت هذه النظرية تبرر منح الحصانات للأشخاص الذين يمثلون دولهم أو رؤساءها، فكيف يمكن تبرير منح الحصانات لأشخاص القانون الدولي الآخرين من منظمات عالمية وإقليمية وهم لا يمثلون دولة؟

كما أن هذه النظرية تمحورت حول الصفة التمثيلية دون تحديد دقيق للشخص الواجب تمثيله، فتارة تتعلق صفة التمثيل بشخص رئيس الدولة وتارة تتعلق الصفة بالدولة وسيادتها مما يوقع في ازدواجية الصفة التمثيلية للمبعوث فيستفيد من نوعي الحصانات وهذا يتعارض مع أساس منح الحصانات حيث إن حصانات رئيس الدولة تتحدد على مستوى المحاملة الدولية أكثر مما تقع على مستوى مفهوم السيادة، بينما حصانات الدولة تقع على مستوى السيادة والاستقلال. [29]

ثالثا: نظرية مقتضيات الوظيفة:

وترتكز هذه النظرية على مبدأ متطلبات الوظيفة والضرورات العملية لأداء الوظائف الدبلوماسية على أحسن وجه، فالحصانات والمزايا التي يتمتع بها المبعوثون الدبلوماسيون ضرورة يقتضيها قيامهم بمهام وظائفهم في جو من الطمأنينة بعيدا عن مختلف المؤثرات في الدول المعتمدين لديها.

فالمجتمع الدولي استحسن الأخذ بهذه النظرية لأنها أكثر النظريات مسايرة لمنطق الأمور وأشملها وتتماشى مع الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي المعاصر، في حين لم تقدم النظريتان السابقتان التبرير الموضوعي المقبول لأسس منح الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، ولهذا أشار إلى هذه النظرية تقرير أعمال معهد القانون الدولي دورة فيينا عام 1934 م ما نصه:"إن أساس الحصانات الدبلوماسية يكمن في المصلحة الوظيفية"، وكذلك تناولها تقرير لجنة القانون الدولي المقدم إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1956 م، وأخيرا تبنت هذه النظرية اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961 م حيث جاء في مقدمتها:"إن الدول الأعضاء في هذه الاتفاقية إذا تعتقد أن المزايا والحصانات المذكورة ليس الغرض منها تمييز أفراد وإنما تمكين البعثات الدبلوماسية بوصفها ممثلة للدول للقيام بمهامها على وجه مجدٍّ". [30]

ومما تجدر الإشارة إليه أن منح هذه الحصانات والامتيازات والتمتع بها لا يعني مطلقا الرخصة للاستخفاف بالقوانين المحلية أو تجاهل عادات وتقاليد وقيم مجتمع الدولة المضيفة، فالحصانة تعني عدم الخضوع لاختصاصات المحاكم المحلية وليس الإعفاء من الالتزام بقوانين البلد الممثل فيه الدبلوماسي، وقد أشارت إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت