مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات في جمال بني الحارث بن كعب، فقال بعض من رآهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: ما رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلون فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"دعوهم"فصلوا إلى المشرق. [101]
وأخرج الإمام أحمد عن سعيد بن أبي راشد أن التنوخي رسول هرقل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وافاه وهو في تبوك فجلس بين يديه وأعطاه كتاب هرقل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ممن أنت؟ قال: أنا أحد تنوخ، قال: هل لك في الإسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟ قال: إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم. فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} . [102] "
أما إذا رغب السفير في دخول الإسلام فله الحق في ذلك، إلا أن إسلامه يجب ألا يؤدي إلى خيانته لعهده وأمانته في أداء الرسالة التي جاء من أجلها، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إني لا أخيس العهد ـ أي لا أنقض العهد ـ ولا أحبس البرد ـ أي الرسل ـ ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع"، قال: فذهبت ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت. [103]
فإذا بقي السفير على دينه فله الحق في ممارسة شعائره الدينية على أن لا يظهر ذلك علنا، ولهذا نص الإمام محمد بن الحسن الشيباني على أن الذمي أو الحربي المستأمن إذا استأجر بيتا من مسلم فاتخذ فيه مصلى لنفسه خاصة لم يمنع من ذلك، لأن هذا من جملة السكنى وقد استحق ذلك بالإجارة، وإنما يمنع مما في صورة المعارضة للمسلمين في إظهار أعلام الدين، وذلك بأن يبنيه ـ أي موضع صلاته ـ كنيسة يجتمعون فيها لصلاتهم، فإن أراد أن يجعل هذا البيت صومعة يتخلى فيها كما يتخلى أصحاب الصوامع منع من ذلك في أمصار المسلمين لأن هذا شئ يشتهر فهو بمنزلة اتخاذ كنيسة لجماعتهم. [104]
وبناء على هذا فلا يجوز للسفراء أو الرسل أن يحدثوا في بلاد الإسلام من أماكن العبادة غير الإسلامية ولا يظهروا مظاهر غير إسلامية كرفع الصليب أو غير ذلك مما لا يجوز شرعا.
وهذا التفريق بين حرية السفير أو المبعوث في ممارسة عبادته وبين الإعلان عن شعائره في دار الإسلام هو مذهب عامة الفقهاء [105] ، وعن ابن عباس أنه سئل عن أمصار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟ فقال: أيما مصر مصرّته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا و لا يتخذوا فيه خنزيرا، وأيما مصر مصرّته العجم ففتحه الله تعالى على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد يقول: ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصر مصّره المسلمون بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا ناقوسا إلا في مكان لهم صالح، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين. [106]
حرية انتقال المبعوث الدبلوماسي داخل إقليم الدولة المعتمد لديها مكفولة، فقد نصت المادة (26) من اتفاقية فيينا على أن حرية الانتقال والسفر في إقليم الدولة المعتمد لديها لجميع أعضاء البعثة مكفولة، مع عدم الإخلال بقوانينها ولوائحها المتعلقة بالمناطق المحظور أو المنظم دخولها لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
وذلك لأن حرية التنقل من مستلزمات عمل الدبلوماسي، لأنه لا يستطيع القيام بعمله إلا إذا توفرت له الحرية الكاملة في الإقامة والتنقل، ولهذا فإن الدول تسعي إلى تأمين إقامة الرسل والمبعوثين من خلال توفير أماكن الإقامة أو مساعدتهم في السعي للحصول على هذه الأماكن، كما أن أغلب الدول تسمح للسفراء بحرية التنقل داخل الدولة وخارجها، وتسهل المرور في مراكز الحدود ونقاط التفتي وتعفيهم من تأشيرات الدخول والإقامة وذلك تسهيلا لأعمالهم وحفظا لكرامتهم.
ولكن بعض الدول تقيد دخول المناطق المحظورة أو المنظم دخولها حسب قوانينها لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي، وفي مثل لهذه الأحوال تشترط السلطات المعينة الحصول على إذن مسبق للسماح للمبعوث بالانتقال في تلك المناطق، والحجة التي تتعلق بها تلك