فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 51

الدول هي المحافظة على أمنها وعلى حياة المبعوث الدبلوماسي نفسه وهي حجة مقبولة كما أشارت إلى ذلك المادة (26) من اتفاقية فيينا. [107]

والفقه الإسلامي لا يعارض حرية المبعوث الدبلوماسي في التنقل مع مراعاة الضوابط التي وضعتها اتفاقية فيينا المتقدمة فيما يتعلق بالمناطق المحظورة لدواعي أمنية أو عسكرية، ويضاف إلى ذلك مراعاة أحكام الحرم المكي من حيث عدم جواز دخول غير المسلمين إليها أو إقامتهم فيها، فقد ذهب عامة الفقهاء [108] إلى أنه لا يجوز لغير المسلم السكنى والإقامة في الحرم لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [109] ، قال القرطبي:"المسجد الحرام هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم وهو مذهب عطاء، فإذًا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع، فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول" [110] .

وقد بالغ الفقهاء في التأكيد على منع غير المسلمين من دخول الحرم فقالوا: فإن دخله مشرك عزر إن دخله بغير إذن ولم يستبح قتله، وإن دخله بإذن لم يعزر وأنكر على الآذن له وعزر إن اقتضت حاله التعزير وأخرج منه المشرك آمنا، وإذا أراد مشرك دخول الحرم ليسلم فيه منع منه حتى يسلم قبل دخوله، ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز، إلا أن يكون قد بلي فيترك كما تركت أموات الجاهلية. [111]

ومما يندرج تحت حرية الانتقال ما إذا اقتضى الحال مرور الدبلوماسي عبر إقليم دولة ثالثة في طريقه إلى مقر عمله أو العودة إليه ـ وكان قد حصل على التأشيرات اللازمة إن كان ذلك ضروريا ـ وجب على الدولة المار بها أن تكفل له ولأفراد عائلته المرافقين له أو الذين سيلتحقون به الحصانة الشخصية وكافة الامتيازات لتأمين مروره وعودته كما أشارت إلى ذلك المادة (40) من اتفاقية فيينا. [112]

وهذا ما قرره الفقه الإسلامي حيث ذكر الإمام محمد بن الحسن الشيباني ثلاث صور لتأمين الحربي منها ما لو طلب الأمان لينفذ إلى دار حرب أخرى ليتجر فيها، والثانية ما لو استأمن لينفذ إلى تلك الدار ثم يعود إليهم، والثالثة ما لو طلب الأمان ذهابا وإيابا عبر دار الإسلام فله في هذه الأحوال الأمان والإعفاء من العشور. [113]

رابعًا: حرية الاتصال:

من أهم الواجبات الدبلوماسية إبلاغ المبعوث حكومته ما يدور في الدولة المعتمد لديها، لأن عمل الدبلوماسي لا يمكن أن يتم بغير الاتصال بحكومته أو تلقي التعليمات منها، ولذا فإن من حقه حرية الاتصال لجميع الأغراض الرسمية وأن تكون هذه الاتصالات مصونة، كما أشارت إلى هذا الفقرة الثانية من المادة (30) ونصها:"تتمتع كذلك بالحصانة أوراقه ـ أي المبعوث ـ ومراسلاته".

وقد بينت المادة (27) من اتفاقية فيينا وسائل الاتصال المسموح بها وواجب الدولة المعتمد لديها تجاه هذا الحق الثابت للمبعوث الدبلوماسي. [114]

ومن وسائل الاتصال التقليدية والتي اعترفت بها الدول منذ زمن بعيد ودلت عليها المادة (27) من اتفاقية فيينا ما يعرف (بالحقيبة الدبلوماسية) التي يحملها أو يرافقها ما يسمى (بحامل الحقيبة الدبلوماسية) ، وقد رتب القانون الدولي بعض الامتيازات والحصانات للحقيبة الدبلوماسية نفسها ولحاملها.

وتستعمل الحقيبة الدبلوماسية لنقل المراسلات الرسمية بين الدولة وبعثاتها لدى الدول الأخرى، وحرمة هذه المراسلات مصونة فلا يجوز فتح الحقيبة أو حجزها كما جاء في الفقرة الثالثة من المادة (27) ونصها: لا يجوز فتح الحقيبة الدبلوماسية أو حجزها.

إلا أن المشكلة القديمة التي لم تستطع حتى اتفاقية فيينا حلها هي تحديد ما هو مباح وما هو محرم نقله بالحقيبة الدبلوماسية؟ وتدل الشواهد التاريخية على أمثلة كثيرة لسوء استخدام الحقيبة الدبلوماسية منها:

1 -استخدام الحقيبة الدبلوماسية لأغراض المكاسب الشخصية البحتة، كتهريب المخدرات والعملة والمجوهرات والمعادن الثمينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت