ولا شك أن في هذا الحكم تخفيفا على المبعوث الدبلوماسي وتيسيرا له ليؤدي مهمته على الوجه الأكمل.
ومع التأكيد على حرية المبعوث الدبلوماسي في إدخال ما يحتاج إليه من متاع لاستخدامه الشخصي أو لأغراض البعثة وإعفائه من الرسوم الجمركية والضرائب، إلا إنه ينبغي أن يراعي طبيعة الدولة الإسلامية وسيادة الشريعة الإسلامية على مجتمع المسلمين، فيحرص على عدم إدخال ما يتنافى مع عقيدة المسلمين وأخلاقهم ودينهم مما هو مباح في غير بلاد المسلمين، لأن مثل هذا التصرف يتعارض مع قانون الدولة الإسلامية ويكون من حقها منع إدخال مثل هذه الأشياء ومصادرتها، قال أبو يوسف: و لا ينبغي أن يبايع الرسول ولا الداخل معه بأمان بشئ من الخمر أو الخنزير أو الربا وما أشبه ذلك لأن حكمه حكم الإسلام وأهله، ولا يحل أن يبايع في دار الإسلام ما حرم الله تعالى. [211]
وهذا ما أكدته المادة (41) من اتفاقية فيينا ونصها: يجب على جميع المتمتعين بالامتيازات والحصانات مع عدم الإخلال بها، احترام قوانين الدولة المعتمد لديها وأنظمتها، ويجب عليهم كذلك عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
قرر الفقهاء ـ كما تقدم ـ أن الإعفاء من العشور والضرائب قاصر على الأموال غير المعدة للتجارة، أما إن كانت مرصدة للتجارة فإنها لا تعفى من العشور والضرائب، وذلك أن المبعوث لما دخل دار الإسلام صار ماله في حماية الدولة الإسلامية فأوجب ذلك حق استيفاء هذه الضريبة منه. [212]
ودليل مشروعية هذه الضريبة قضاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث أمر بعض عماله بأن يأخذ من تجار أهل الحرب العشر، ومن تجار أهل الذمة نصف العشر ومن تجار المسلمين ربع العشر، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينقل أنه أنكر عليه أحد [213] .
وينبغي أن يلاحظ هنا ما أشار إليه بعض الفقهاء وهو أن الضريبة التجارية لا تؤخذ إذا كان مال المستأمن الداخل إلى بلاد الإسلام أقل من مائتي درهم وهو نصاب الزكاة [214] ، كما قال ابن عابدين: الأصح عدم تعشير مالهم إذا لم يبلغ نصابا وإن أخذوا منا من مثله، لأن ما دون النصاب قليل، والأخذ من القليل ظلم ولا متابعة في الظلم [215] .
ومن مظاهر سمو الفقه الإسلامي ورقيه أن هذه الضريبة لا تؤخذ إلا مرة واحدة في السنة كما قال ابن قدامة معللا ذلك: أنه حق يؤخذ من التجارة فلا يؤخذ أكثر من مرة في السنة كالزكاة. [216]
ويستند تقدير الضريبة إلى مبدأ المعاملة بالمثل، ودليل ذلك ما روي أن عاشرا ـ أي جابي الضريبة ـ كتب إلى عمر - رضي الله عنه: كم نأخذ من تجار أهل الحرب؟ فقال: كم يأخذون منا؟ فقال: هم يأخذون العشر، فقال: خذ منهم العشر، وروي عنه أنه قال لعشاره: خذوا منهم ما يأخذون منا، فإن أعياكم ذلك فخذوا منهم العشر [217] .
وعلى هذا لو أخذت الدول الأخرى من تجار المسلمين أقل من ذلك فإن على الدولة الإسلامية أن تأخذ مثل ذلك من تجارهم، أما لو كانوا يأخذون الكل من تجار المسلمين فإنا لا نأخذ منهم مثل ذلك، لأن أخذ الكل غدر بالأمان الذي منحناه لمن دخل بلاد الإسلام ولا يصح في ديننا الغدر. [218]
وإذا شرط الحربيون في أمان الرسل ألا يأخذ عاشر المسلمين منهم شيئا مطلقا، فإن بعض الفقهاء يرى أن للمسلمين أن يشترطوا لهم ذلك وأن يوفوا لهم به إذا كانوا يعاملون رسلنا بمثل هذا. [219]
ويمكن للإمام أن لا يأخذ منهم شيئا إذا دخلوا في نقل بضاعة بالناس حاجة إليها وهو قول الشافعي والقاضي من الحنابلة لأن في رفع الضريبة عنهم تحقيق نفع ومصلحة للمسلمين كما روى الزهري عن عمر أنه كان