وبعد هذا العرض الموجز لبيان موقف كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي من الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، يمكن تلخيص أهم النتائج التي ظهرت من خلال البحث فيما يلي:
أولًا: الحصانة الدبلوماسية في القانون الدولي مصطلح قانوني يقصد به منح حماية للمبعوث الدبلوماسي بهدف عدم التعرض لشخصه وماله ومن معه ليتسنى له القيام بمهامه على الوجه الأكمل، ويقابل هذا المصطلح في الفقه الإسلامي عقد الأمان الذي يعقد لمن يدخل بلاد الإسلام من غير المسلمين لغرض مشروع.
ثانيًا: الامتيازات الدبلوماسية تعني التمتع بمزايا وإعفاءات معينة تسمح للمبعوث الدبلوماسي القيام بوظائفه وتحقيق أهداف بعثته بسهولة ويسر، ولم يرد استعمال لهذا المصطلح في الفقه الإسلامي إلا أن مفهوم الأمان يشمل ويتسع له.
ثالثًا: الدبلوماسية علم وفن وأسلوب تعامل، فهي الوسيلة التي يتبعها أحد أشخاص القانون الدولي لتسيير الشؤون الخارجية بالوسائل السلمية وخاصة بطريقة التفاوض. رابعًا: يمكن حصر أسس الحصانة الدبلوماسية في القانون الدولي في ثلاث نظريات وهي: نظرية الامتداد الإقليمي، ونظرية الصفة التمثيلية ونظرية مقتضيات الوظيفة، وقد استقر القانون الدولي على اعتماد النظرية الثالثة كأساس منح الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، ليتمكن المبعوثين الدبلوماسيين من القيام بوظائفهم بشكل فعال بعيدا عن أية مؤثرات أو معوقات، وهذه النظرية لا تتعارض مع الفقه الإسلامي في الجملة.
خامسًا: عقد الأمان هو أساس الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي، وقد سبق الفقه الإسلامي القانون الدولي الحديث في تقرير هذا الأساس من خلال النصوص الشرعية والقواعد الكلية واجتهاد الفقهاء المسلمين منذ قرون عديدة.
سادسًا: يثبت الأمان (الحصانة الدبلوماسية) للرسل والمبعوثين إذا جعل لهم رئيس الدولة الإسلامية أو نائبه ذلك وكتب لهم به وثيقة، ويثبت الأمان كذلك لكل من دخل بلاد الإسلام وأظهر ما يدل على أنه مبعوث دبلوماسي وإلا فلا يثبت له ولا يتمتع بالحصانة الدبلوماسية.
سابعًا: الحصانة الشخصية تعني منح حماية للمبعوث الدبلوماسي وذلك حماية لشخصه ومن معه ومن يتبعه في عمله، وهي ليست حصانة مطلقة وإنما هي حصانة مقيدة بضوابط نصن عليها اتفاقية فيينا.
والفقه الإسلامي لا يعارض منح المبعوث الدبلوماسي الحصانة الشخصية في العقيدة والعبادة وفي الإقامة والتنقل والاتصال والمشاركة في الحياة الاجتماعية وممارسة التجارة ما دام في ذلك كله منضبطا بالضوابط الشرعية ولا يترتب على ذلك ضرر بالمسلمين أو تفويت مصالح مشروعة لهم.
ثامنًا: الحصانة القضائية تعني عدم خضوع المبعوث الدبلوماسي للولاية القضائية للدولة المعتمد لديها، وتتنوع إلى حصانة من القضاء الجنائي وهي مطلقة، وحصانة من القضاء المدني والإداري وقد أثبت القانون الدولي عليها بعض القيود والاستثناءات، وهناك الحصانة التنفيذية والإعفاء من أداء الشهادة.
تاسعًا: اختلف موقف الفقه الإسلامي عن القانون الدولي في الحصانة القضائية، ويمكن تحديد ملامح هذا الموقف فيما يلي:
1 -لا خلاف بين الفقهاء في وجوب القصاص على المستأمن إذا ارتكب جناية قتل عمد وتوافرت أركانها وشروطها، وهذا يشمل المبعوث الدبلوماسي أيضا لأنه مستأمن شرعًا.
2 -للفقهاء ثلاثة اتجاهات بالنسبة لجرائم الحدود إذا وقعت من المبعوث الدبلوماسي، وهي على سبيل الإجمال: