فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 51

ولقد تعددت الآراء حول تبرير الحصانة القضائية الجنائية واتفقت جميعها على أن أساس شرعيتها هو إحاطة المبعوث الدبلوماسي بقدر من الحرية والاستقلال لتمكينه من عمله، على أساس أن هذا المبدأ مستمد من عرف ساد المجتمعات البشرية منذ نشأتها. [137]

ويتمثل موقف الدولة المعتمد لديها في حالة ارتكاب المبعوث الدبلوماسي لأي جناية أو جريمة في إبلاغ دولته أنه شخص غير مرغوب فيه وتطلب من حكومته سحبه أو إنهاء مهمته، وفي حالة رفض أو تقاعس الدولة الموفدة يجوز للدولة المعتمد لديها أن ترفض الاعتراف به كمبعوث دبلوماسي. [138]

تعني الحصانة من القضاء المدني والإداري إعفاء المبعوث الدبلوماسي من جميع الدعاوى المدنية والإدارية التي تقام ضده، فلا يجوز لمحاكم الدولة المعتمد لديها محاكمته من أجل دين عليه أو منعه من مغادرة بلادها بسبب عدم تسديده لديونه أو مصادرة أمتعته أو ما يملكه ونحو ذلك من إجراءات بسبب الدعاوى المدنية الإدارية. [139]

وقد ظلت الحصانة من القضاء المدني والإداري مطلقة وشاملة في جميع المسائل دون أي استثناء وذلك انطلاقا من اعتبارين:

الأول: أن إقامة المبعوث الدبلوماسي في الدولة المعتمد لديها مهما طال أمدها، هي إقامة عارضة ومؤقتة، وبهذا يعتبر محل إقامته الثابت والدائم لدى الدولة المعتمدة باعتبارها مقره الأصلي، ويجب أن تكون مقاضاته عن أعماله وتصرفاته أمام محاكم هذه الدولة دون غيرها.

الثاني: أن طبيعة عمله وما تقتضيه من ضرورة احتفاظه باستقلاله في القيام بمهمته والمحافظة على مظهر صفته التمثيلية لبلاده تتنافى مع جواز رفع الدعوى عليه ومقاضاته كأي فرد عادي أمام محاكم الدولة التي يتولى فيها هذه المهام.

وقد استمر هذا المبدأ بهذا الإطلاق حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حيث بدأت بعض المحاولات لتقييده بالظهور، وأخذ بعض الكتاب والفقهاء يطالبون بقصر الإعفاء من القضاء المدني على الأعمال الرسمية دون الأعمال الخاصة التي يقوم بها المبعوث الدبلوماسي.

وأخذت بعض المجامع العلمية الدولية بهذا التقييد في قراراتها وتوصياتها إلى أن حسم الأمر في اتفاقية فيينا لعام 1961 م عندما قررت بكل وضوح تقييد الحصانة القضائية المدنية والإدارية في المادة (31) بما نصه: يتمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة القضائية فيما يتعلق بالقضاء الجنائي للدولة المعتمد لديها، وكذلك فيما يتعلق بقضائها المدني والإداري إلا في الحالات الآتية:

1 -الدعاوى العينية المتعلقة بالأموال العقارية الخاصة الكائنة في إقليم الدولة المعتمد لديها، ما لم تكن حيازته لها بالنيابة عن الدولة المعتمدة لاستخدامه في أغراض البعثة.

2 -الدعاوى المتعلقة بشؤون الإرث والتركات والتي يدخل فيها بوصفه منفذا أو مديرا أو وريثا أو موصى له، وذلك بالأصالة عن نفسه لا بالنيابة عن الدولة المعتمدة.

3 -الدعاوى المتعلقة بأي نشاط مهني أو تجاري يمارسه في الدولة المعتمد لديها خارج وظائفه الرسمية.

وبهذا تكون الاتفاقية قد نصت على تقييد الحصانة من القضاء المدني والإداري، وقررت خضوع المبعوث الدبلوماسي للقضاء في بعض الحالات التي تتعلق بأعماله الخاصة أو الشخصية التي يقوم بها بالأصالة عن نفسه لا بالنيابة عن دولته ولا تدخل في أعمال البعثة. [140]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت