4 -عن حارثة بن مضرّب أنه أتى عبد الله ـ أي ابن مسعود ـ فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حنّة ـ أي عداوة وحقد ـ، وإني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجئ بهم فاستتابهم غير ابن النّوّاحة قال له: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لولا أنك رسول لضربت عنقك"فأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النّوّاحة قتيلا بالسوق. [60]
قال الخطابي: ويشبه أن يكون مذهب ابن مسعود في قتله من غير استتابة أنه رأى قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"لولا أنك رسول لضربت عنقك"حكما منه بقتله لولا علة الرسالة، فلما ظفر به ورفعت العلة أمضاه فيه ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين" [61] ."
قال ابن كثير: ومن هذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدا أو في رسالة، كما جاء يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم عروة بن مسعود ومكرز بن حفص وسهيل بن عمرو وغيرهم واحدا بعد واحد. [62]
5 -ما ثبت أن أبا سفيان جاء وافدا للمدينة من أهل مكة لما نقضت قريش الصلح الذي كان بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعرض له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل ولا غيره لأنه قد تقرر حكمه السابق وهو أن الرسل لا تقتل. [63]
وأما من جهة المعقول فقد علل ذلك ابن قدامة بقوله:"ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإنا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة" [64] .
وقال محمد بن الحسن عن الرسل:"إذا لم يكونوا آمنين لا يستطيعون تأدية الرسالة"، وبهذا يظهر أن الفقهاء المسلمين قد سبقوا الفقه الحديث والنظريات القانونية التي تبرر منح الحصانات قبل أن تطرحها الاتفاقيات الدبلوماسية الحديثة. [65]
ينبغي هنا التفريق بين حالتين:
الأولى: لو جعل لهم عقد الأمان من قبل الإمام أو نائبه وكتب لهم في ذلك كتاب يؤكد هذا العقد فيثبت لهم الأمان بلا خلاف بين الفقهاء [66] .
الثانية: لو ادعى الحربي أنه مبعوث من قبل رئيس دولة أخرى، ففي هذه الحالة اختلف الفقهاء على ثلاثة مذاهب [67] :
المذهب الأول: يحرم دخوله إلينا بلا إذن فمن دخل دار الإسلام بغير أمان وقال: أنا رسول الملك إلى الخليفة لا يصدق حتى يخرج كتابا يشبه أن يكون كتاب ملكهم فهو آمن حتى يبلغ رسالته ويرجع، فإن لم يكن معه ما يدل على صدقه فهو وما معه فئ.
وهو مذهب الحنفية [68] وهو المذهب المعتمد عند الحنابلة [69] .
ودليلهم:
1 -... أن ما ادعاه ممكن فيكون شبهة في درء القتل عنه.
2 -لأنه يتعذر إقامة البينة على أنه رسول فلو كلفناه ذلك لأدى إلى الضيق والحرج وهذا مدفوع فيكتفى بالعلامة، وهي أن يكون معه ما يدل على دعواه.
3 -أن الرسل لم تزل آمنة في الجاهلية واٍلاسلام وذلك لأن القتال والصلح لا يتم إلا بالرسل فلابد من أمان الرسول ليتوصل إلى ما هو المقصود وإن لم يخرج كتابا أو أخرج ولم يعلم أنه كتاب ملكهم فهو وما معه فئ لأن الكتاب قد يفتعل [70] .