هذا المعنى المادة (41) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية حيث نصت على أنه:"من واجب جميع الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الامتيازات والحصانات احترام الدولة المستقبلة وأنظمتها ..". [31]
وبالنظر في النظريات المتقدمة وموقف فقهاء القانون الدولي منها وما اشتملت عليه من مقومات وانتقادات يمكن القول بأن النظرية الأولى لا تتفق مع قواعد الإسلام حيث إنها تقتضي أن مقر البعثة الدبلوماسية امتداد لإقليم الدولة المرسلة، مما يعني اقتطاع جزء من دار الإسلام ليكون جزءا من دار العهد أو الحرب وهذا لا يتفق مع قواعد الإسلام ومبدأ سيادة المسلمين على أراضيهم.
وأما النظرية الثانية فلا تتوافق أيضا مع قواعد الإسلام، إذ إنها تقتضي منح المبعوث الدبلوماسي الحصانات والامتيازات الدبلوماسية لأنه ممثل لرئيس الدولة التي قدم منها، وقد يكون رئيس الدولة مهدر الدم شرعا ومع ذلك فأن مبعوثيه يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية وأقرب مثال لذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتعرض لرسل مسيلمة الكذاب مع أنهم يوافقون مسيلمة في موقفه من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو رأس المرتدين ومستحق للقتل إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمنهم على أنفسهم إعمالا لقاعدة الإسلام العامة في تأمين الرسل. [32]
وأما النظرية الثالثة وهي نظرية مقتضيات الوظيفة فبالنظر إلى ركائزها ومقوماتها يظهر إنها لا تشتمل على محظور شرعي ولا تتعارض مع الأساس الشرعي الذي تستند إليه الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي وهو مبدأ الأمان الذي دلت عليه النصوص الشرعية والآثار والقواعد الكلية، كما أنه يحقق مصلحة شرعية تعود على الأمة بمجموعها في علاقاتها مع الدول الأخرى، وأيضا يحقق مصلحة للرسل والموفدين حيث سيتمتعون بالحصانات والامتيازات التي ستمكنهم من أداء مهماتهم على أكمل الوجوه دون تأثير من الدول المضيفة لهم، وما كان كذلك فهو مباح وجائز باعتبار أن الأصل في العادات الإباحة وأن هذه الإباحة مقيدة بما لا يخالف الشرع أو يترتب عليه ضرر عام أو خاص.
المطلب الثاني
أسس الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي
لقد أثبتت الشريعة الإسلامية الحصانة الكاملة للرسل والمبعوثين الذين يوفدون من طرف دولهم للقيام بالمهام الدبلوماسية لدى الدولة الإسلامية في حالتي الحرب والسلم، وجعل لهم الإسلام حرمة تكفل لهم القيام بممارسة المهمة التي ابتعثوا من أجلها.
فالرسل والسفراء في الفقه الإسلامي يتمتعون بامتيازات الأمان لأشخاصهم ولمن يكون معهم إذا دخلوا دار الإسلام، فلا يجوز الاعتداء عليهم ولا إهانتهم ولا التعرض لأموالهم، كما يتمتعون أيضا بامتيازات الإعفاء من العشور (الضرائب) في حالات محددة، وتسري هذه الامتيازات مدة مكثهم في دار الإسلام، سواء أكان ذلك في حال السلم أم الحرب. [33]
والحصانة التي تخلعها الدولة الإسلامية على السفراء أو الأجانب الداخلين إليها ليست من باب المجاملة ولا من باب السيادة المطلقة التي تعتبرها الدولة لنفسها، ولكنها من باب حرمة الدماء في الإسلام، ولقد استند