إن الحرمة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي مصونة بموجب المادة (29) من اتفاقية فيينا، وهذه المادة تفرض على الدولة المعتمد لديها التزامات عدة منها؛ حماية شخصه فلا يجوز إخضاعه أي صورة من صور القبض أو الاعتقال، واتخاذ جميع التدابير المتاحة لمنع أي اعتداء على شخصه أو حريته أو كرامته.
والسيرة العطرة والتاريخ الإسلامي ملئ بالأمثلة الدالة على مظاهر التكريم وحسن المعاملة التي كانت تقدم للرسل والمبعوثين، فقد روى الإمام أحمد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرم سفير قيصر حين جاء إليه في تبوك وقال له:"إنك رسول قوم وإن لك حقا ولكن جئتنا ونحن مرملون"فقال عثمان: أنا أكسوه حلة صفورية، وقام رجل من الأنصار على ضيافته. [93]
ويذكر ابن الفراء أن رسولا لبعض ملوك الفرس ورد على هشام بن عبد الملك وقد كان أعد له وحشد أي حشد لاستقبالهم بمظاهر الهيبة والعظمة. [94]
وللمبعوث الدبلوماسي الحق في ممارسة حريته الشخصية بما لا يخالف النظام العام والقوانين المطبقة في الدول التي يوفد إليها، والفقه الإسلامي لا يختلف عن القانون الدولي في هذا الشأن مع مراعاة ألا تتنافى الحرية الشخصية للمبعوث مع أحكام الشريعة الإسلامية لأنها النظام المتبع في الدولة الإسلامية، فيراعي المبعوث الدبلوماسي خصوصية المجتمعات الإسلامية في طبيعتها الإسلامية المتدينة وأعرافها العامة المحافظة. [95]
ومن الحرمة الشخصية للمبعوث حرمة مسكنه، وقد أكدت المادة (30) من اتفاقية فيينا ذلك بما يلي: يتمتع المنزل الخاص الذي يقطنه المبعوث الدبلوماسي بذات الحصانة والحماية اللتين تتمتع بهما دار البعثة.
كما تشمل هذه الحرمة المسكن المؤقت للدبلوماسي مثل محل إقامته في مصيف أو غرفة في فندق ونحو ذلك.
وتمتد الحرمة الشخصية لتشمل الأمتعة الشخصية المعدة لاستخدامه فلا يجوز تفتيشها أو حجزها إلا في ضوء المادة (36) من اتفاقية فيينا. [96]
ومراعاة هذه الحرمة للمبعوث الدبلوماسي لا يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية، بل إن القرآن الكريم يؤكد حرمة البيوت بقوله - سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون} [97] ، وقد شملت هذه الآية بعمومها بيوت المسلمين وغيرهم فحرمتها مصونة فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا بإذن أهلها، ولا شك أن وضع المبعوث الدبلوماسي يتميز بشئ من الخصوصية لطبيعة مهمته وكونه يمثل بلاده لدى الدولة الإسلامية مما يقتضي مزيد من العناية بهذا الجانب إلا فيما تقتضيه المصلحة العامة أو يخشى من إهماله مفاسد أكبر من مفسدة انتهاك حرمة المنزل الشخصي للمبعوث الدبلوماسي كما سيأتي. [98]
ثانيًا: حرية العقيدة والعبادة:
مما يتمتع به المبعوث الدبلوماسي الحرية في ممارسة الشعائر التعبدية، فالسفراء والمبعوثون لا يلزمون باعتناق دين الدولة التي وفدوا إليها، ولم يشر القانون الدولي العام إلى مسألة حرية العقيدة والعبادة لأنه لا يتعرض للمسائل الدينية، وإنما ترك حرية العقيدة للسفير والمبعوث الدبلوماسي يختار ما يناسبه، كما ترك حرية إقامة الأماكن الدينية التابعة للسفارة للقانون الداخلي ينظمها كيف يشاء وبما يحقق مصلحة الدولة. [99]
أما في الفقه الإسلامي فالأمر مختلف، لأن الدولة الإسلامية دولة دعوة فلها الحق في عرض الإسلام على من يفد إليها دون إكراه ولا ممارسة ضغط لحمله على اعتناق الإسلام، ولهم الحق في الالتزام بدينهم وممارسة شعائرهم بما لا يخل بالنظام الإسلامي. [100]
فقد كانت الوفود تفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدعوها إلى الإسلام ولا يمنع أحدا من أعضائها من ممارسة عبادته، ولا يعنف أحدا أو يلومه إذا لم يؤمن، فقد أخرج ابن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال قدم وفد نصارى نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فدخلوا عليه